شرعت هيئة مكافحة الفساد منذ أيام بالتحقيق رسميًا فيما يقال إنه ملفات فساد وتجاوزات مالية في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين امتدادًا لحالة من التوتر منذ أشهر بين الحكومة وبين الاتحاد بدأت بعقد المؤتمر العام للاتحاد في نابلس في مشهد تحد لقرار السلطة منع انعقاده.
ولم يكن عقد المؤتمر إلا بداية لمعركة وسجال بين الأمانة العامة للاتحاد –القديمة الجديدة – وبين الحكومة ممثلة بقطبين، الأول وزارة العمل- كونها الجهة الرسمية صاحبة الاختصاص في الإشراف على النقابات- ومركزية حركة فتح ممثلة بمسئول المنظمات الشعبية فيها توفيق الطيراوي.
وبحسب مصادر تحدثت لوكالة "صفا"؛ فإن الحكومة لم تكن لتُسلّم بالتحدي الذي "مس هيبة السلطة" بعقد المؤتمر العام وإعادة انتخاب الأمانة القديمة بحضور دولي واسع، مع وجود قرار من أعلى المستويات في السلطة الفلسطينية بعدم عقده.
وسارعت وزارة العمل بعد عقد المؤتمر بأيام لاتخاذ قرار بتجميد الحسابات البنكية للاتحاد، وهو ما أدى لحرمان موظفي الاتحاد من تقاضي رواتبهم، وأوقف حركة التحويلات والصرف من البنوك، ما أدخل الاتحاد في أزمة خانقة ما زال يعاني منها بفعل استمرار قرار التجميد.
واتهم الاتحاد في حينها وزارة العمل بـ"لي ذراعه" من خلال تجفيف مصادره المالية، في الوقت الذي قالت فيه الوزارة إن الاتحاد وعديد نقابات أخرى لم تصوب أوضاعها القانونية وفق الأصول وأن عليها تصويب أوضاعها لإزالة القرار.
مصادر مطلعة على تفاصيل المشكلة، أشارت لـ"صفا" إلى أن تصريحات الطرفين صحيحة، "فلا يخفى على أحد الواقع غير المريح لمجمل الحركة النقابية وما يشوب ذلك من انتقادات، ولكن في نفس الوقت، فإن هذه الحالة المزمنة للاتحاد العام للنقابات وعديد نقابات أخرى قديمة جديدة، فلماذا الآن؟".
"حرب" من نوع آخر استهدفت جسم الاتحاد، وهذه المرة من المنظمات الشعبية في حركة فتح، والتي عملت على تفكيك وحدته، من خلال استصدار مواقف من نقابات فرعية في الاتحاد ضد الأمانة العامة ووقوفها مع الحكومة، وهي رسالة تؤكد إصرارًا على معالجة ملف الاتحاد العام للنقابات حتى النهاية وعدم الاستسلام لنتائج المؤتمر العام.
بماذا تحقق مكافحة الفساد؟
بحسب مصادر "صفا"؛ فإن الملف الرئيس الذي تحقق فيه هيئة مكافحة الفساد حالياً، هو ملف تحويلات "الهستدروت" في "إسرائيل" للاتحاد، والذي يعتبر الشريان المالي الأساسي للاتحاد العام، ومنه يغطي غالبية نفقاته ورواتب العاملين فيه.
وتقول المصادر إن الاتحاد العام يتلقى شهريًا مبلغ (400 ألف شيقل) من الهستدروت، وهي رسوم الانتساب النقابي للعمال الفلسطينيين الذين يعملون بشكل رسمي في أراضي 48، حيث يقتطع مكتب العمل الإسرائيلي مبلغ 80 شيقل شهرياً من كل عامل فلسطيني ضمن جملة مقتطعات أخرى تتعلق بحقوق عمالية، ويتم تحويل هذه الرسوم شهريًا لميزانية الاتحاد العام للنقابات.
ويفسر ذلك إصرار الاتحاد العام للنقابات ممثلاً برئيسه شاهر سعد في الدفاع عن العلاقة مع "الهستدروت"، ورفض دعوات وانتقادات حركة المقاطعة لإسرائيل "BDS".
وتتحفظ "صفا" على أرقام رواتب الأمانة العامة للاتحاد، وما يتعلق بتفاصيل شخصية، لكن هيئة مكافحة الفساد تحقق من أن هذا المبلغ "لا يتم صرفه وفق إجراءات قانونية شفافة".
وأكدت المصادر أن أمانة الاتحاد في بعض المحافظات، ومنها طولكرم على سبيل المثال، طعنت في بيانات الأمانة العامة المقدمة للرقابة حول أوجه صرف هذا المبلغ، ووصل ذلك حد إطلاق تصريحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لقيادات في الاتحاد حول عدم تلقيها جزءًا من هذا المبلغ لتغطية أي من نشاطاتها التي تغطى من مصادر أخرى.
انسحاب الممولين
وقالت مصادر مطلعة لـ"صفا" إن مجمل الأحداث الأخيرة ولاسيما تجميد حسابات النقابات جعلت ممولين دوليين رئيسيين للاتحاد يجمدون دعمهم، وهو ما أصاب الشريان المالي للاتحاد بشكل كبير.
وتشير المصادر إلى أن النرويجيين والهولنديين- وهما داعمان أساسيان للاتحاد منذ إقامته- علقا تمويلهما، "مما يعني ضربة قوية لجسم الاتحاد، وهو نتاج طبيعي لأي صراع، فالممولين ينسحبون".
اتهامات متبادلة
ويتهم الاتحاد العام للنقابات وزارة العمل باستهدافه، وانتقد أمس الأربعاء بشكل حاد تصريحات لوزير العمل مأمون أبو شهلا بشأن تحويل ملف النقابات لهيئة مكافحة الفساد.
وقال أبو شهلا "إنه تمت إحالة ملف الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين إلى هيئة مكافحة الفساد، مضيفًا "أن الموضوع أخطر من موضوعات أخرى تتعلق بتجميد أموال النقابات، حيث يتم التحقيق في أوضاع النقابات الداخلية".
وسارع شاهر سعد بعد ذلك إلى إصدار تصريح صحفي قال فيه إن ما ورد على لسان الوزير أبو شهلا عارٍ عن الصحة ومسيء للحركة النقابية الفلسطينية ويتحمل الوزير المسؤولية القانونية أمام هذا التصريح في حال لم ينفه."
وأضاف أن "أبواب الاتحاد مفتوحة أمام الهيئات الرسمية، سواء كانت هيئة مكافحة الفساد أو ديوان الرقابة المالية والإدارية أو أي جهة من منظمات المجتمع المدني".
وأكد أن المرجعية السياسية للاتحاد هي منظمة التحرير وليست وزارة العمل.
ودعا مسؤول الإعلام النقابي في الاتحاد محمد العطاونة السلطة التنفيذية إلى "الكف عن اتخاذ الإجراءات بحق الحركة النقابية"، وقال: "على السلطة التنفيذية الكف عن الحركة النقابية، ورفع وصايتها وتدخلها في الحركة النقابية وشؤونها الداخلية".
