على مدار أيام متتالية يراقب الشاب سالم مطر أكوام الفحم بانتظار أن "تنضج"، بينما كان يقلب هذا الكوم وذاك بعد أيام من "كمر" الحطب تحت كميات من القش والرمل في متابعة تستهلك معظم ساعات يومه.
مطر (32 عاماً) متزوج ولديه ولدان ويعمل منذ (13 عاماً) في هذه "الصنعة"، وتمرس فيها جاعلاً منها مصدره الوحيد للرزق وإعالة أسرته التي تقيم في مخيم جباليا شمال قطاع غزة.
يتابع "سالم" العمل في مفحمة "أبو عودة" والوضع المحيط بها، فعين تنظر إلى الأكوام والأخرى ترقب الموقع الإسرائيلي القريب، فتجربته مع هذا الموقع صعبة للغاية.
![]() |
| سالم مطر يعمل بخبرة 13 عاماً (صفا) |
وما يزيد الأمور تعقيداً بقاؤه أياماً متواصلة في المفحمة التي تقع على مقربة من الحدود الشمالية للقطاع، وسط إطلاق نار وقذائف أو حتى توغل قبل أعوام تم فيها احتجازه ومن معه من العمال لساعات.
ويقول:"لم أتوقع يوماً العمل في هذه المهنة، وكنت أبحث عن وظيفة مريحة، لكن الوضع الاقتصادي جعلني أتوجه إلى هذه المهنة، حيث بدأت أتعلم شيئاً فشيئاً حتى حققت خبرة واسعة على مدار 13 عاماً".
ويشكو سالم – الذي غيب هباب الفحم فضلاً عن الشمس الحارقة ملامح وجهه ولون بشرته- من قلة الأمان في مهنته الصعبة، فهي في طريقها "للانقراض" خلال أشهر جراء الحصار وإغلاق المعابر وقلة المادة الرئيسية وهي الحطب.
ويرى أن الظروف الراهنة تظهر أنه لا مستقبل لهذه المهنة، حيث أن الصعوبات التي تواجهها أصبحت هاجساً شديداً يؤرق العاملين فيها، في ظل عدم وجود بوادر للحل.
عريس جديد
وعلى مقربة منه، كان الشاب فايز العزازمة "ينكش" كومة فحم أخرى يتصاعد منها دخان كثيف لتفقد "نضج" الفحم، لكنه ما لبث أن غطاها مرة أخرى، لأنها ما زالت تحتاج مزيداً من الوقت.
العزازمة (25 عاماً) من عزبة بيت حانون وهو متزوج منذ خمسة عشر يوماً فقط، لم يقِم سوى لنحو أسبوع أو يزيد في بيت الزوجية، لكنه عاد سريعاً إلى عمله، حيث يظل في المفحمة لأيام متواصلة، وقد يصل به الأمر للبقاء لما يتجاوز الأسبوعين شأنه شأن نحو 15 من زملائه.
ويقول إنه كان يفكر بإقامة مشروع، فيما أدى ضيق حاله إلى إلغاء هذه الفكرة، حتى سمع عن هذه المهنة من أصدقاء له يعملون في المفحمة فذهب "يجرّب حظه"، وهو على هذه الحال منذ ستة سنوات تقريباً.
![]() |
| فايز (يسار) وسالم يغطيان كوم الفحم (صفا) |
وأضاف أن التفكير أرهقه بشأن المستقبل لإعالته أسرة حديثة النشأة، فالأمن يشكل أهم عائق بسبب قرب المفحمة من الحدود (700 متر تقريباً)، كما أن "راحة البال" ليست كالسابق لخوفه من توقف العمل في المفحمة بسبب الوضع الراهن.
أنهى فايز حديثه متوجهاً إلى كومة فحم يبدو أنها وصلت حد "الاستواء" المطلوب، فبدأ مع سالم بتقليب الكومة وفصل القش عن الفحم مع رش كميات من الماء لإطفاء جذوة النار المشتعلة وتخفيف حدة الدخان المتصاعدة.
"المعلم"
في هذه الأثناء، كان معاذ أبو عودة "المعلم" كما يلقب في المفحمة- التي تبلغ مساحتها 5 دونمات-، يوجه مجموعة من العمال إلى كومة
من الفحم "الطازج" لفرزه، ومجموعة أخرى لتغطية كومة ثانية بغطاء من "النايلون" لحفظ الفحم وإبقائه في جو مناسب.
أبو عودة (42 عاماً) صاحب المفحمة من سكان بيت حانون ورب أسرة مكونة من عشرة أفراد، ويعمل في هذا المجال منذ عشرة أعوام، كان قبلها يعمل حطاباً لمدة خمسة عشر عاماً.
وبدأ عمله في مفحمة أنشأها في بيت حانون، لكن مع تزايد حدة الاعتداءات الإسرائيلية وقرب موقعها من المناطق السكنية اضطره لنقل عمله إلى هذه المنطقة.
يذكر أن المفحمة تنتج نحو 40 طن شهرياً، مشيراً إلى وجود ستة مفاحم في القطاع تُشغِّل ما يزيد عن ثمانين شخصاً وبإضافة التجار والموزعين فإن عدد من تعتبر هذه المهنة مصدر رزقه الرئيسي يصل إلى أكثر من 150 شخصاً.
ويشير إلى أن إنتاج المفاحم يغطي ما يتجاوز 70% من حاجة غزة، حيث أن حاجة السوق في القطاع تتراوح ما بين 200- 300 طن شهرياً، توفر المفاحم أكثر من مائتي طن منها والباقي يتم استيراده من أماكن مختلفة.
![]() |
| العمال أثناء عملية فرز الفحم ورشه بالماء (صفا) |
ولا يُخفي "المعلم" خشيته من الوضع الاقتصادي، مشدداً على أن المهنة حالياً في مرحلة فاصلة بين أن تستمر أو تنقرض، موضحاً أن غالبية عماله من الحاصلين على الثانوية العامة، لكن ظروفهم لم تمكنهم من مواصلة الدراسة.
ويضيف: "أنا متأكد من أنه إذا ما توفرت مهنة أفضل لعمالي ما كانوا ليعملوا في صناعة الفحم"، منوهاً إلى أن هذه المفحمة تعيل من عملها نحو عشرين عائلة.
ويؤكد أبو عودة أن هذه المهنة "متعبة جداً" للعامل وصاحب العمل، فهي تحتاج إلى متابعة على مدار أربعة وعشرين ساعة متواصلة ولمدة أسبوع وحتى عشرة أيام لكل كومة فحم.
ويشير إلى أن هذا الأمر يحتاج لوجود العمال بشكل متواصل، موضحاً أن القلق يستبد به بشكل دائم بسبب الوضع على الحدود وإمكانية حدوث طارئ، لذلك فإنه يتصل باستمرار بعماله المتواجدين خاصة في ساعات الليل للاطمئنان عليهم.
تصنيع وتسويق
وحول مراحل التصنيع، يقول أبو عودة إنها تبدأ بجلب الحطب وتقطيعه وتجميعه على شكل هرم وتغطيته بالقش وفوقه طبقة من الرمل، ويتم ترك فتحة في قمة الهرم يمكن من خلالها إشعال القش بالنار ومن ثم تغطية الفتحة بشكل كامل.
![]() |
| الفحم جاهز للتسويق (صفا) |
وبعد ذلك، يتم ترك الكومة لمدة تتراوح ما بين 7- 10 أيام، وبانطفاء النار بشكل شبه كلي يبدأ العمال بفصل القش عن الفحم ورش الماء على الكومة لتخفيف حدة الحرارة تمهيداً لتغطيتها بالنايلون حتى يتم الفحم تماسكه ونضجه.
ومن ثم يتم استخراج الفحم وفحصه ورشه بالماء لإطفاء أية شعلة متبقية وتجهيزه للتعبئة بانتظار تغليفه أو حتى استقبال التجار الذين يأتون إلى المفحمة لشراء ما ينتج أولاً بأول لتغطية حاجات السوق.
وفيما كان "المعلم" يشرح طريقة التصنيع، أقبل أحد التجار وجلس الاثنان لمناقشة الكمية المطلوبة ومن ثم توجها إلى مكان الفحم المنتج حديثاً للتباحث في الوزن والسعر.
التاجر عودة شاهين (33 عاماً)، قدم من مدينة غزة خصيصاً إلى مفحمة "أبو عودة" في سبيل شراء كمية جديدة من الفحم لتسويقها وتوزيعها على المطاعم والمقاهي وغيرها.
شاهين، وهو رب أسرة مكونة من خمسة أفراد، وشقيقه علاء (35 عاماً) - ويعيل أسرة مكونة من 10 أفراد- يعملان في هذه المهنة منذ عدة سنوات، ويشتريان الفحم من أكثر من مفحمة متمركزة في شمال القطاع ويبدآن بتغليفه في مشغل خاص، حيث يعمل لديهما 6 عمال ويوزعان ما بين 20 – 30 طناً شهرياً.
![]() |
| أبو عودة (يسار) خلال نقاش مع أحد تجار الفحم (صفا) |
ويقول :" إن غلاء الأسعار يصعب من عملية التسويق، خاصة وأن المتوفر هو من الإنتاج المحلي عالي التكاليف، حيث وصل سعر كيلو الفحم للمستهلك إلى 10 شواقل، في ظل إغلاق المعابر – التي يؤكد شاهين أنه العقبة الرئيسية- وعدم توفر بديل أفضل سعراً.
ويعلق أبو عودة قائلاً: "مهنتنا مهددة وسط مخاطر صحية وبيئية، ناهيك عن مخاطر الأمن وقربنا من الحدود، فلا أمن ولا أمان، لكننا نريد أن نعيش وهذا ما يجعلنا نواصل العمل".





