يقول أهالي مدينة يطّا جنوب محافظة الخليل إن الاحتلال الإسرائيلي أدخل نفسه في تحد ليس سهلًا معهم، فهم معروفون بصلابتهم وعنادهم بين المناطق في جبل الخليل، ولن يفلح الحصار الذي ضربته "إسرائيل" على مدينتهم بكسرهم، ردًا على تنفيذ الشابين أحمد وخالد مخامرة من المدينة عملية "تل أبيب" الأخيرة.
وفي الوقت الذي تتوالى فيه أيّام الحصار والاعتقالات وسحب التصاريح، يختار الاحتلال أيام شهر الصيام ليركّع المدينة، فيكشف أبناؤها عن محاولتهم التمرّد على هذه الإجراءات عبر ارتياد طرق وعرة من السهول والجبال والإصرار على ممارسة حياتهم الطبيعية.
هذه المحاولات اليطّاوية، يبدو أنّها استفزّت أجهزة الاحتلال الأمنية، لتدفع جيشه لهدم منزل الطفل مراد ادعيس في منطقة بيت عمرة بيطا، والذي اتهمه الاحتلال بالمسؤولية عن قتل إحدى المستوطنات طعنًا بمستوطنة "عتنائيل" في 17 يناير 2016.
لكنّ كلّ هذه الإجراءات، وفق ما يرى الأهالي، "مناطحة ليست سهلة بين كيان يملك قوّة كبرى، ومدينة فلسطينية لا تملك سوى التحدي، ومحاولة عيش أجواء رمضان".
تكافل اجتماعي
ويعبّر رئيس بلدية يطّا موسى مخامرة عن فخره بأنّ الحياة في يطّا ما تزال تسير على طبيعتها، ودون أن تسجّل أيّة مظاهر احتكار للبضائع والمواد الرمضانية.
ويقول لوكالة "صفا": "لا بل على النقيض، نرصد الكثير من حالات التكافل التي تجري بين أبناء المدينة خلال الشّهر الفضيل، رغم المنع الإسرائيلي من دخول أيّة شحنات غذائية للمدينة".
ويشير إلى أنّ قوّات الاحتلال تطبق حصارها بشكل غير مسبوق على يطّا، وتحول دون حرّية تنقل المواطنين الذين يفوق تعدادهم الـ(120 ألف) نسمة، في الوقت الذي تتضاعف فيه الحاجات الإنسانية والصحية والخسائر الاقتصادية للسكان، خاصّة وأنّ المدينة تحوي الكثير من المنشآت الصناعية وخاصة المحاجر، والمحال التجارية، وبالتالي يحول الإغلاق دون كلّ هذا، ويزيد من حجم الخسائر الاقتصادية.
ويلفت إلى أنّ الكثير من الحالات الصحية يجري التعامل معها داخل يطا بمستشفى "أبو الحسن القاسم"، لكنّه يتخوف من الاضطرار لنقل بعض الحالات المرضية أو المستعجلة إلى المستشفيات خارجها، وهو ما قد يصطدم بإجراءات الاحتلال التي قد تحول دون هذا الأمر، رغم ادّعاء الاحتلال أنّه سيسمح بمرور الحالات الإنسانية، لكنّه غير متفائل إزاء هذا الأمر.
ويبين مخامرة بأنّ شهر رمضان وما يتخلله من زيارات اجتماعية وضرورات للتنقل من جانب السّكان، لا يبالي لها الاحتلال كثيرا، رغم حديثه عن تسهيلات ممنوحة للفلسطينيين، ويمارس حقيقة الاعتداءات والتنكيل الذي يبدو جليا في يطّا، لافتا إلى التواصل الدائم ما بين الجهات الرسمية وبلدية يطا، من أجل محاولة التعامل مع أيّ طارئ ناجم عن الحصار والإغلاق والتضييق.
"فداءٌ للأقصى"
ولم يتوقف الأمر عند حدّ الحصار والإغلاق، بل امتدّ إلى تنفيذ الاحتلال تهديداته بهدم منزل عائلة الأسير الطفل مراد ادعيس، ورغم أنّ الاحتلال يحاول من خلال هذه الإجراءات، عقاب الفلسطينيين على خيار أبنائهم مقاومته، لكنّ الأمر يأتي في كلّ مرّة خلافا لتوقعاته، وهذا ما يؤكّده والد الفتى ادعيس الذي هُدم منزله.
يقول ادعيس لوكالة "صفا": "هذا المنزل المكون من طابقين تعبت سنوات طويلة حتّى تمكنت من تشييده وبنائه، لكنّه رخيص من أجل ابني مراد ومن أجل القدس والمسجد الأقصى".
ويتابع "هذا لا يزيدنا إلا فخرًا واعتزازًا بابني. ولن يهدّ من عزيمته شيئا، وأنا على استعداد لتقديم منزل آخر فداء للمسجد الأقصى".
أما والدة الطفل الأسير ادعيس فتقول لوكالة "صفا": "هناك أشياء كثيرة أغلى من المنزل.. الوطن أغلى والولد أغلى وكلّ هذا فداء للوطن".
وفي استمرار لمسلسل الإجراءات العقابية بحق أهالي المدينة، أخطرت قوات الاحتلال، مساء أمس، أهالي منفذي عملية "تل أبيب" الأخيرة بضرورة إخلاء منازلهم للاستعداد لهدمها.
إعادة إعمار
من جانبه، يكشف منسق لجان مقاومة الجدار والاستيطان جنوب الخليل راتب الجبور لوكالة "صفا" عن تشكيل لجنة من كافة المؤسسات المحلية والأهلية والحكومية تقودها بلدية يطّا، لإعادة بناء منزل عائلة ادعيس، وأيّة منازل أخرى يهدمها الاحتلال.
ويوضح أنّه جرى المباشرة الفورية في عملية جمع التبرعات لأجل هذا الأمر، كاشفًا في الوقت ذاته عن اجتماع جرى عقده منذ تهديدات الاحتلال الأولية بهدم منزل ادعيس قبل شهور، وشاركت فيه كافة مؤسسات مدينة يطّا، وجرى الاتفاق حينها على استئجار بيت لصاحب المنزل في حال هدمه الاحتلال والبدء بجمع التبرعات لأجل إعادة بنائه، وهذا ما يجري في هذه اللحظة.
ويشير إلى أنّ الأمر يحوز على تفاعل كبير من الجهات والأوساط الشعبية والأهالي في يطا، مبينًا أن لدى المواطنين الاستعداد لتقديم أغلى ما يملكون في سبيل بناء البيت وبقية المنازل التي قد يهدمها الاحتلال بعد عملية "تل أبيب".
