بعد أن أوصدت أبوابه لمدة قاربت العامين، يتهيأ جامع التينة التاريخي بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، لاستقبال جموع المصلين في شهر رمضان المبارك، والذين يقصدونه لأداء صلاة التراويح.
ورغم صغر مساحته مقارنة بالكثير من مساجد المدينة، إلا أن مزايا عديدة جعلت من هذا المسجد الذي يقع في قلب حارة القريون بالبلدة القديمة، مقصداً للمصلين من مختلف أرجاء المدينة، بحثا عن الراحة والطمأنينة في الصلاة.
الثمانيني محمد الشبيري، أحد رواد المسجد، عبّر عن ارتياحه لإعادة افتتاح المسجد قبيل رمضان، بعد أن خضع لعملية ترميم شاملة استغرقت عامين.
وقال الشبيري لوكالة "صفا": "هذا المسجد له مكانة خاصة، فعلى مدار عشرات السنوات داومنا على الصلاة فيه".
ويشعر الشبيري بنكهة خاصة لهذا المسجد في رمضان، نظرا لتوافد المصلين عليه من كل حدب وصوب، ويرى أن موقعه بوسط البلدة القديمة وخلوه من الأدراج، يجعله ينافس المساجد القريبة منه في اجتذاب المصلين، خاصة لما يتمتع به من أجواء لطيفة في الصيف.
جهد محلي
وكانت لجنة محلية قد أخذت على عاتقها منتصف العام 2014، تنفيذ مشروع ترميم جامع التينة بإشراف مديرية أوقاف نابلس.
وشملت أعمال الترميم إزالة سدة خشبية وأحواض زراعية ودورة المياه، وإعادة فتح غرف كانت مهجورة ومملوءة بالركام والأتربة، وسقف الساحة الخارجية وضمها للمسجد.
ويشير أحمد الشبيري، أحد أعضاء لجنة الترميم، إلى أن عملية الترميم ركزت على زيادة مساحة المسجد، وإبراز القيمة التاريخية والأثرية لهذا المسجد الذي يعود تاريخ بنائه إلى نحو 400 عام.
ويضيف لوكالة "صفا": "جهد كبير بذل في عملية الترميم، ولم نكن نتوقع أن يخرج بهذا الشكل كتحفة أثرية رائعة".
ويبين أنهم عثروا خلال أعمال رفع الأتربة أسفل ساحة المسجد على أعمدة وتيجان حجرية أثرية تم توزيعها في زوايا المسجد.
ويتوقع الشبيري أن يشهد المسجد إقبالا منقطع النظير من المصلين في شهر رمضان، نظرا لقربه من أسواق البلدة القديمة، ولوجود عدد من الأئمة المتطوعين الشباب فيه.
ويضيف: "منذ إعادة افتتاحه مطلع شهر أيار الجاري، شهدت صلاة الجمع إقبالاً كبيرًا، وضاق المسجد بالمصلين الذي اضطر الكثير منهم لافتراش الشارع".
مساجد لها تاريخ
ويعد مسجد التينة واحدا من بين عشرة مساجد قديمة في البلدة القديمة بنابلس، يقصدها المصلون أكثر من غيرها في شهر رمضان.
ويقول مدير أوقاف نابلس محمد جهاد الكيلاني لوكالة "صفا" أن المديرية تولي أهمية خاصة لترميم المساجد القديمة والأثرية، وقد تم حتى الآن الانتهاء من ترميم الكثير منها، وهناك خطة لاستكمالها، ومن ثم الانتقال لترميم المقامات الدينية.
وحول مسجد التينة، يبين الكيلاني أن تسمية المسجد جاءت لوجود شجرة تين ضخمة بجوار المسجد فارتبط اسمه بتلك الشجرة، وفقا لما جاء برسالة ماجستير للخبير المختص بتاريخ نابلس عبد الله كلبونة.
ويضيف أن وثائق المحاكم الشرعية تبين أن المسجد بني في القرن العاشر الهجري أي في بدايات العهد العثماني بمدينة نابلس، وجرت آخر عملية ترميم وإعادة بناء له عام 1889م.
وأوضح أن عمليات الترميم تركز على الحفاظ على الإرث التاريخي للمساجد، ولهذا يقوم مختصون بالهندسة والتاريخ بمتابعة العملية.
ويرى أن التكلفة العالية لأعمال الترميم لها ما يبررها، فأجر الصلاة بالمسجد القديم أكبر منه في المسجد الحديث، كما أن الحفاظ على المساجد الأثرية له أهمية خاصة في فلسطين، لأنها تثبت تجذر الشعب الفلسطيني بأرضه منذ القدم.
ويضيف: "المساجد التاريخية والأثرية لها روحانية خاصة، ويزداد هذا الشعور خاصة في رمضان".
ولفت إلى أن مديرية الأوقاف قامت بتشكيل لجنة لترميم مسجد الساطون في حارة الياسمينة، والذي يحتوي على العديد من الأروقة ومصاطب العلم التي تشير إلى كونه مدرسة للعلم بالإضافة لكونه مسجدا.
استعدادات لرمضان
ومنذ بدء عملية ترميم مسجد التينة، تم نقل إمامه إلى مسجد آخر، مما جعل المسجد بدون إمام راتب، الأمر الذي تحاول لجنة المسجد تعويضه بالمتطوعين من أهل المنطقة.
ويقول الكيلاني أن مديرية الأوقاف، وفي ظل النقص الحاد في أعداد الأئمة، تلجأ إلى طلبة مراكز تحفيظ القران الكريم لاستقطاب الحفظة من أصحاب الأصوات المميزة للاستعانة بهم لتغطية النقص، خاصة في رمضان.
ويبلغ عدد المساجد في محافظة نابلس 264 مسجدا، منها 107 مساجد في المدينة، بينها 25 مسجدا مركزيا وفق تصنيف مديرية الأوقاف.
ويبين الكيلاني أن المديرية وضعت برنامجاً يومياً للدروس والمواعظ في المساجد خلال شهر رمضان، بعد صلاتي الظهر والعصر، وتحديداً في المساجد المركزية.
كما عمدت إلى وضع برنامج أسبوعي بدل الشهري المعمول به طوال السنة لتوزيع خطباء المساجد، حتى تعم الفائدة.
