أن تصبح عبداً في وطنك وأرضك، منبوذاً مقهورا، تمنع من العمل، تضرب وتجرح أو تقتل بدم بارد دون الأخذ بعين الاعتبار أنك أنت صاحب الأرض والمكان الأصلي بعد أن حرف الاحتلال معالمها، بهذه المشاعر وهذه الظروف يعيش فلسطينيو48 منذ واحد وستين عاماً وما زالوا.
فلم تتوقف العنصرية والتمييز ضد العرب منذ قدوم الاحتلال الإسرائيلي، وكأن العرب هم المحتلون، يعانون ألم العنصرية وقسوة التمييز ضدهم، ليس فقط في الشارع الإسرائيلي والمدن اليهودية بل انتقلت مظاهر التمييز إلى أروقة الحكومة المحتلة ومؤسساتها.
فأضحت حكومة الاحتلال التي تتغنى بالديمقراطية تلتف حول قوانينها في مسعى للتضييق على السكان الأصليين، فالعنصرية ضد العرب في "إسرائيل" لها عدة أوجه أكثرها في التعليم والعمل.
يقول رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون فلسطينيي48 محمد زيدان: "الحقيقة هي أن الحكومة الإسرائيلية اتخذت العنصرية والتمييز موقفا لها منذ عام 1948 وحتى اليوم، حيث أن هذا التمييز يظهر جليا من خلال التعامل الرسمي للحكومة الإسرائيلية مع المواطنين العرب".
وأشار زيدان إلى أن حكومة الاحتلال تسعى بالآونة الأخيرة إلى تمرير القوانين العنصرية ضد المواطنين العرب والمصادقة عليها، والتي تهدف إلى تهويد المكان وتفريغ العرب من ذاكرتهم وسلبهم هويتهم الفلسطينية.
وقال: " بدأت تغذى العنصرية عن طريق الشارع اليهودي الذي بني بالأصل على العنصرية، وهذا الأمر انعكس وظهر في الشهرين الأخيرين حيث سعت المؤسسة الإسرائيلية إلى سن وتشريع قوانينها ذات الطابع العنصري".
وأضاف زيدان: "نحن في لجنة المتابعة وقفنا في وجه تلك القوانين التي وضعت على لائحة اللجنة الوزارية الخاصة لتشريع القوانين، وقمنا بمشاورات مع عدة أحزاب وحركات في الداخل، وأرسلنا رسالة إلى رئيس الدولة شمعون بيرس ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وكان موقفنا صريح جداً وهو أننا نرفض هذه القوانين، وحتى لو شرعت سنبقى نرفضها ولن نلتزم بها".
وكانت العديد من الأحزاب اليمينية المتطرفة في "إسرائيل" قدمت مشاريع لقوانين عديدة أهمها قانون يحظر القيام بأي فعالية في ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني وقانون آخر يجبر العرب على أداء قسم الولاء للكيان الإسرائيلي وأداء الخدمة في عدة مؤسسات مدنية منها جهاز الشرطة.
وأوضح زيدان في تصريح خاص لـ"صـفا": بالنسبة للعنصرية والتمييز في موضوع التعليم فهذه قضية كبيرة جداً، لأن جهاز التربية والتعليم تابع بالأصل لوزارة المعارف الإسرائيلية وهي التي تضع البرامج التعليمية البعيدة عن تراثنا وحضارتنا العربية، حيث يتعلم أبنائنا التراث والحضارة اليهودية بدلا عن ذلك".
وتتبع المؤسسة الإسرائيلية سياسة الإهمال المتعمد في موضوع التعليم لدى فلسطيني48، الأمر الذي يؤدي إلى تدني التحصيل لدى الطلاب العرب وتسرب العشرات منهم من المدارس.
وأشار زيدان إلى أن "المؤسسة الإسرائيلية تهدف من وراء هذا الإهمال المتعمد إلى خلق مجتمع عربي أمي، وهذا ما حصل فعلا فقد بدأ الشباب العرب يتأثرون بهذه السياسة العنصرية، فأصحب الشباب ينحرفون ويتوجهون للكحول والسرقة والعديد من الأمور لأنه لم يتم توجيههم بشكل جيد من الأساس ولم يتم ملئ أوقات فراغهم".
واختتم زيدان حديثه قائلا: "نحن ندرك أن "إسرائيل" لا تريد لنا الخير، ولا تنظر لنا بأي اهتمام ولا تهتم لحقوقنا، حيث لا نحظى بأي اهتمام بالدوائر الحكومية، ولكن في معظم الأحيان نحن لا نتوجه للقضاء الإسرائيلي لأن العدل يغيب عنه عندما تتعلق القضية بالأرض والمسكن".
وأضاف: "نحن نواجه التمييز والعنصرية من خلال النضال الشعبي والمظاهرات الاحتجاجية والحوار، ويجب أن تعلم الحكومة الإسرائيلية أن تعاملها معنا بهذه الطريقة لا يزيدنا إلا قوة وصبرا حيث سنبقى صامدين إلى الأبد رغم سياسة التمييز".
وكان العديد من القادة الإسرائيليين حذروا من موجة العنصرية والتمييز ضد العرب التي بدأت تجتاح "إسرائيل" في السنوات الأخيرة وكان على رأسهم رئيس الكيان الإسرائيلي السابق ابراهام بورغ.
ويروي الطالب (ب.ع) من مدينة باقة الغربية المحتلة عام 1948 قصة معاناته مع التمييز العنصري عندما تقدم بطلب للالتحاق بكلية هندسة الكهرباء بجامعة مدينة بئر السبع جنوب فلسطين المحتلة.
وقال الطالب الذي رفض الكشف عن هويته لأسباب أمنية لـ"صفا": "إن الالتحاق بكلية هندسة الكهرباء كغيرها تتطلب علامة "بجروت" (توجيهي) عالية بالإضافة إلى علامة "بسيخومتري" (امتحان معتمد من قبل الجامعات الإسرائيلية منذ عام 1982 كشرط أساسي للقبول وشبيه بامتحان السات الأمريكي "SAT")، وقد تمكنت من الحصول على علامات عالية في امتحان "البجروت" للالتحاق بالكلية إلا أن المشكلة كان في امتحان البسيخومتري".
ويشكل امتحان "البسيخومتري" الإسرائيلي عقبة كبيرة أمام الطلاب العرب خاصة، إذ أن موضوع البسخومتري لا يدرس في المدارس العربية على غرار المدارس اليهودية والذي يبدأ في المرحلة الإعدادية ويخصص له ساعات ثابتة أسبوعياً.
ويضطر الطلاب العرب إلى الالتحاق بدورات خاصة يتعلم فيها الطالب العربي مواد تعليمية كثيرة خلال بضعة أشهر والتي يتعلمها الطالب اليهودي خلال عدة سنوات، عدا عن التسهيلات التي يقدمها الكيان الإسرائيلي للطلاب اليهود كالاسطوانات الإرشادية والامتحانات التجريبية باللغة العبرية، والتي لا يعرفها الطالب العربي.
ويقول الطالب ( ب.ع): "الجامعة وضعت أمامي شرطا أساسيا لالتحاق بها وهو أن أتعلم لمدة سنة كاملة في مستعمرة سديروت، حيث العنصرية متفشية حتى أننا لا نستطيع التكلم باللغة العربية في تلك المنطقة خشية الضرب من قبل المتطرفين اليهود".
وأضاف " لم أكن أعلم أن الشعب الإسرائيلي قد تشرب العنصرية لهذه الدرجة، فنحن الطلاب العرب في الجامعة لا نستطيع التكلم بلغتنا، ونتعرض للتحرش والضرب من قبل الطلاب اليهود خاصة خلال فترة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة".
وتابع قائلا: "خلال الحرب على غزة كنا نحن الطلاب العرب مجبرين على الوقوف احتراما عندما يتم الإعلان عن مقتل جندي إسرائيلي، بالإضافة إلى أننا مجبرون على الوقوف على النشيد الوطني الإسرائيلي، وإن لم نقم بذلك كنا نتعرض للمضايقة من قبل الطلاب اليهود".
وأشار( ب.ع) إلى أن العنصرية بلغت حدها خلال الحرب الأخيرة، حيث بدا واضحا أن علامات الطالب العربي أصبحت اقل من علامات الطالب اليهودي وكل ذلك بسبب تمييز المحاضرين ضد الطلاب العرب".
ورغم المضايقات، يبقى فلسطنيو48 يؤكدون صمودهم في وجه الاحتلال الإسرائيلي معلنين تحديهم لكافة مخططاته لتجهيلهم وتشريدهم
