من مركز للقوافل زمن الرومان إلى مركز تجاري تستريح فيه القوافل التجارية في زمن الدولة الفاطمية يمتد تاريخ بلدة قباطية جنوبي مدينة جنين التي يشتق اسمها حسب الروايات التاريخية من تلك الوظيفة التجارية حيث اشتق اسمها من "قمط" وقد تم تحريف اللفظ من "قماطية" إلى "قباطية" نسبة لقمط الشيء بعد تحميله على الدواب إذ كانت مكانًا لاستراحة القوافل لوقوعها على الطريق التجاري بين مصر والشام.
وعلى بعد 9 كلم إلى الجنوب الغربي لمدينة جنين شمال الضفة الغربية تنتشر منازل قباطية وحاراتها في بطن واد تحيط به شعبتان جبليتان. على قمم وسفوح عدد من الجبال المطلة معظمها على سهلي قباطية وعرابة.
وعلى مدخل قباطية الرئيسي المسمى مثلث الشهداء تقبع مقبرة شهداء الجيش العراقي التاريخية والتي تضم رفاة الجنود العراقيين الذين قضوا في حرب عام 1948 في معركة شهيرة وقعت في جنين وفي تلك المنطقة تتركز أغلب المواجهات في حصار قباطية الحالي.
أبو جعب والقسام
وكانت قباطية أحد المحطات الهامة في ثورة الشهيد عز الدين القسام ومثلت محطات فارقة أرعبت البريطانيين الذين نكلوا بأهلها أيما تنكيل وهدموا المنازل فوق رؤوس أصحابها انتقاما لقتلاهم على يد رجالات قباطية.
ومن المحطات الهامة لرجالات عز الدين القسام في قباطية تنفيذ أول محاولة اغتيال في فلسطين قام بها المجاهد محمد عبد الغني أبو طبيخ سباعنة حيث اغتال المستشار القضائي لحكومة الانتداب في فلسطين نورمان بنتويش.
وكذلك حين قام المجاهد أحمد أبو الرب من قباطية وأحد جنود الشيخ القسّام باغتيال الحاكم العسكري لمدينة جنين حوفت عام 1938.
ويضاف إلى ذلك العملية الشهيرة التي قام بها المجاهد محمد أبو جعب الذي قتل حاكم اللواء الشمالي في الجيش البريطاني أندروز عام 1937.
من عرفات وحتى عياش
وامتد تاريخ مشاركة أهل قباطية في مقارعة كل الاحتلالات لفلسطين على مختلف الحقب، ففيها أطلق ياسر عرفات لبنات العمل الفدائي الأول بعد انطلاقة فتح عام 1965، حيث يوجد في قباطية مغارة شهيرة شكلت محط اجتماعات عرفات عامي 1966 و1967 خلال تواجده السري في الضفة الغربية.
كما شكلت قباطية أول مكان أسس واحتضن كتائب الشهيد عز الدين القسام في الضفة الغربية وأول شهيد للقسام في الضفة وهو الشهيد عبد القادر كميل، وفيها قضى المهندس يحيى عياش تجاربه الأولى في صناعة المتفجرات.
وتعتبر قباطية أكثر بلدات الضفة من حيث عدد شهداء المقاومة فيها سواء لمجموعات الفهد الأسود التابعة لحركة فتح في الانتفاضة الأولى ولاحقا كتائب شهداء الأقصى في الانتفاضة الثانية، مرورا بكتائب القسام التي نزفت في قباطية عشرات الشهداء والمعتقلين، وليس انتهاءً بسرايا القدس.
أول إعدام لعميل
ويذكر لقباطية أنها من أفشلت مشروع روابط القرى في العام 1982، كما يفتخر أهلها بأنهم أول من قتلوا متعاونًا مع الاحتلال في الانتفاضة الأولى، حيث هجم المئات من أهالي البلدة وبشكل جماعي على أخطر عميل عرف في تلك الفترة وهو محمد العايد.
فقد أقاموا محكمة شعبية للعميل محمد العايد في 24-2-1988 وأعدموه بمشاركة جماعية للمئات من أهالي البلدة وعلقوه على عمود كهرباء، واعتقلت قوات الاحتلال المئات من المواطنين بتهمة قتله ولكنها لم تجد قاتله لأن كل أهالي قباطية شاركوا في قتله.
رائد زكارنة
ويعتبر الاستبسال في مقارعة الاحتلال سمة ميزت قباطية منذ اندلاع الانتفاضة الأولى، وكانت تتميز بالقسوة وشدة البأس على المحتل، ويبرز ذلك من طبيعة سير شهدائها ومعتقليها.
ولا تذكر العمليات الاستشهادية إلا بذكر باكورة تلك العمليات التي شكلت علامة فارقة في العمل الاستشهادي في فلسطين، فبعد جملة من المحاولات التي لم تكلل بالنجاح لمهندس كتائب القسام يحيى عياش في بداية مشواره شكلت عملية الاستشهادي رائد زكارنة في 9-4-1994 أول عملية نوعية غيرت موازين العمل المقاومة في فلسطين.
وفجر زكارنة المنحدر من قباطية نفسه بسيارة مفخخة في قلب مدينة العفولة داخل فلسطين المحتلة عام 1948 في الرد الأول على مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل فقتل 9 إسرائيليين وجرح 40 ليلمع اسم المهندس عياش بعد ذلك وتنطلق التفجيرات في ربوع فلسطين المحتلة.
انتفاضة القدس
ولم تكن قباطية لتغييب عن انتفاضة القدس بتسعة شهداء قدمتهم جميعهم قضوا وهم يسعون لتنفيذ عمليات ضد الاحتلال في أماكن بعيدة عن قباطية إلى أن كان الفدائيون الثلاثة الذين رسموا بعفويتهم لوحة وطنية ذات دلالة رمزية كبيرة أعادت روح التضامن الوطني للحالة الفلسطينية، وأعادت تذكير نتنياهو بتاريخ قباطية مع أسلافه، فما كان منه إلا أن انتهج سياسة التنكيل التي انتهجتها كافة الاحتلالات التي عاصرتها فلسطين فرحلوا وبقيت.
