سجلت أفرع البنوك العاملة فلسطين نحو 400 مليون دولار مرجع لشيكات بدون رصيد خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2015 وفق أرقام حصلت عليها وكالة "صفا" من الغرف التجارية والبنوك.
وكان نصيب مدينة جنين شمال الضفة الغربية من المبلغ نحو 11.5 مليون دولار خلال ثلاثة أشهر (من الأول من يونيو حتى 30 أغسطس 2015).
وفي الوقت الذي يرى فيه اقتصاديون وخبراء في أحاديث منفصلة لوكالة "صفا" أن هذه الظاهرة طبيعية، إلا أن آخرين يدقون ناقوس الخطر، ولاسيما أن ذلك مؤشر على مستوى الارتباك في الحالة الاقتصادية في فلسطين.
نزيف للتجار
ويقول صاحب شركة "الهدف" لصناعة اللدائن قدري سمودي إن القضية أصبحت مؤرقة للشركات والتجار، بحيث أصبح التاجر يعاني من عدم التزام بعض المواطنين (غير الموظفين) بتغطية الشيكات الصادرة منهم نظرًا لعدم وجود راتب ثابت يتقاضاه.
وأشار في حديثه لـ"صفا" إلى أن هناك واقع سياسي يفرض على الواقع الاقتصادي مجريات غير حميدة، "وذلك نتيجة ارتباطنا باتفاقية باريس التي تحاصر الاقتصاد الفلسطيني".
وشبه سمودي المرحلة الاقتصادية الحالية بلعبة "الدومينوز"، "عندما يقع أول حجر تلحق البقية مباشرة دون أي فاصل زمني".
ونوه إلى مشكلة السيولة المستمرة لدى التجار، حيث أن جميع المبالغ المالية الموجودة في السوق الفلسطيني يتم تحويلها للخارج من أجل استيراد بضائع من أوروبا والصين، وعمليًا يتحول واقعنا هنا إلى رزم من الشيكات التي تحمل أرقامًا كبيرة برسم التحصيل.
ولفت إلى أن المستثمر في فلسطين غير محمي من تدفق البضائع الإسرائيلية للسوق الفلسطيني، مما يلحق الضرر بالمنتج المحلي، وبالتالي يقع التاجر الفلسطيني في شرك عدم القدرة على سداد التزاماته.
اقتصاد غير مستقر
من جهته، يرى مدير الغرفة التجارية في جنين محمد كميل أنه من الطبيعي وجود أرقام كبيرة من الشيكات المرتجعة، مرجعًا ذلك لتردي للأوضاع الاقتصادية منذ بداية العام الحالي.
وقال في حديثه لـ"صفا": "هناك تدني في معدل التشغيل وارتفاع في البطالة لدى خريجي جنين وصل 29.6 % إضافة لانعكاس الأزمة الحالة السياسية التي تسيطر على الأجواء العامة في فلسطين، ووجود قيود إسرائيلية على الحركة التجارية وكل هذا يوصلنا إلى نتيجة واحدة وهي ارتفاع معدل الشيكات المرتجعة وقيمتها".
وأشار إلى إمكانية ازدياد أرقام الشيكات المرتجعة في ظل تقييد الاحتلال عبور فلسطيني الداخل لجنين، وعرقلة حركة العمال، وإيقاف عدد كبير من التصاريح.
وبيّن أن الاحتلال يمنح القطاع الخاص في جنين نحو 1200 تصريح تجاري مقارنة مع نحو ثمانية آلاف منشأة تجارية مسجلة لدى الغرفة التجارية، بينما يمنح المحافظات الأخرى أعداد مضاعفة من التصاريح التجارية بعدد منشآت مسجلة أقل.
ولفت إلى دور ذلك في إعاقة القطاع الخاص من إتمام المعاملات والصفقات التجارية والوصول إلى الموانئ لمتابعة الواردات للمحافظة، وخلق حالة عدم استقرار مالي لدى التجار.
290 ألف شيك
بدوره، ذكر الخبير الاقتصادي والمحاضر بقسم التمويل بالجامعة العربية الأمريكية محمد أبو شربة أن سلطة النقد لم يكن لديها سابقًا نظام حازم في التعامل مع نظام الشيكات كونها المسئولة عن جميع الاجراءات المصرفية في البنوك وخاصة قضية الشيكات.
لكنه استدرك بقوله: "لكن اليوم استحدثت سلطة النقد نظام محوسب وهو نظام الشيكات الآلي وهذا النظام يوفر قاعدة بيانات تتضمن أرصدة التجار وجميع بياناتهم من أجل عملية ضبط آلية التعامل مع الشيكات".
وأوضح لـ"صفا" أن عدد الشيكات المرتجعة بلغ نحو 290 ألف شيك خلال شهرين فقط من عام 2015، فيما بلغت قيمة الشيكات المتداولة بين المواطنين حوالي 9 مليار دولار أمريكي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2015.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى تراجع أعداد الشيكات المرتجعة مؤخرًا مقارنة بالفترات السابقة نتيجة إجراءات سلطة النقد، حيث استطاعت تقليص نسبة الارجاع من 27% العام الماضي إلى 13% للعام الحالي.
وعزا ارتفاع عدد الشيكات المرتجعة إلى انخفاض القدرة الشرائية للرواتب وانخفاضها مقارنة بالواقع العام، وكثرة تعامل التجار بالشيكات وخاصة أن من ضمنها شيكات شخصية؛ كما يلعب تأخر صرف الرواتب نتيجة الواقع المالي غير المستقر للسلطة إلى ارتجاع بالشيكات.
وقال: "في البنوك؛ فإن غالبية أسباب الارتجاع للشيكات يعود لعدم كفاية الرصيد، ونسبة قليلة لعدم تطابق التوقيعات، وكذلك وجود أرصدة محجوزة لأسباب قانونية".
ويرى أبو شربة آثارا سلبية لذلك تتمثل في انخفاض فرص الاستثمار وتباطؤ النمو الاقتصادي، وهو ما يؤدي لعدم قدرة الشركات على تحصيل أموالهم، بما يؤدي إلى تخفيض إجمالي الناتج المحلي للاقتصاد الوطني.
وضع طبيعي
لكن مدير بنك فلسطين في جنين رياض أبو الرب يرى أن كل الشيكات المرتجعة يمكن استيعابها ولا تؤثر على السياق العام، "لأن ارجاع هذه الشيكات في الغالب لا يعني فقدان قيمتها".
وذكر أبو الرب في حديثه لـ"صفا" أن الأرقام "لا تؤثر بمجمل الحركة الاقتصادية، ولو تفحصنا عدد الشيكات التي صرفت منها أو المبلغ الذي تم تحصيله لوجدنا أن القيمة المتبقية أو المعدومة قليلة".
وشدد على أن الأرقام الواردة لا تعني أنها ديون معدومة، ويمكن أن يحصل الشيك المرجع من صاحبه باليوم التالي أو الذي يليه أو تم استبدال الشيك وتسليم المبلغ نقدًا بدل إعادة الشيك.
وتطرق أبو الرب إلى الإجراءات الصارمة في التعامل مع الشيكات المرتجعة، بحيث يتم تحويل صاحبها إلى النيابة، ويتم تحصيلها بالطرق القانونية في نهاية المطاف.
