لم تنقطع دموع عائلة الشهيد باسم محمد الأغا على مدار عام ونصف حزنًا على فراق نجلها، ليأتي خبر استشهاد شقيقه محمود أمس، لينكأ جراحًا لم تندمل، ويكوي قلوبًا لم تألف الفراق.
وكان استشهد "باسم" (25 عامًا) الذي ينتمي لكتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) برفقة مقاوم آخر أثناء تفجيره عبوة ناسفة بآلية إسرائيلية شرق محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة إبان العدوان الإسرائيلي الأخير عام 2014.
لم تعثر العائلة على جثمان الشهيد بفعل شدة الانفجار، وبقيت على أمل أن تُلقي عليه النظرة الأخيرة، لكنها فُجعت باستشهاد شقيقه، وكان وداع جثمانه مؤلمًا، إذ مثّل لها جسدًا واحدًا بروحين.
مُعيل الأسرة
وتولى الشهيد "محمود" (23عامًا) إعالة أسرته بعد استشهاد "باسم"، فأصبح الراعي الوحيد لوالديه الكهلين، وشقيقيه التوأم الأصغر منه، وشقيقاته، وكبُر أمل الوالدين بنجلهما، فعقدوا العزم على تزويجه، وبدأوا ببناء بيت له.
لكن رصاصة إسرائيلية أطلقها أحد الجنود خلال مواجهات شعبية أمس الجمعة بمنطقة الفراحين، على حدود خان يونس الشرقية، استقرت في رأسه، كانت كفيلة بقتله، فضلًا عن أحلام والديه.
وقْع الخبر على والديه شكل صدمةً كبيرةً لهما، فلم يتوقعا استشهاده بهذه السرعة، فالأم انهارت، ولم تستطع الوقوف على قدميها، حتى عندما عانقته، خلال نظرة الوداع، ولم تستطع التحدث بالمُطلق.
وجلست شقيقات الشهيد "محمود" بجوار والدتهم فريال الأغا (55عامًا)، يبكينّ بحُرقة، ويحاولنّ مواساتها في نفس الوقت، فيما التفت النسوة من حولهنّ يبكينّ على ذلك المشهد المؤلم، وألسنتهنّ تلهج بالدعاء على "إسرائيل".
فُراق موجع
وكانت اللحظات الأخيرة التي جمعت الوالدة المكلومة بولدها، حينما اصطحبها لشقته التي يبنيها، بغية الزواج، لكنه تركها فجأة، وأخبرها أنه "ذاهب إلى مكان وسيعود"، لكنه عاد بعد ساعات محمولًا على أكتاف رفاقه، كما تروي شقيقته "ابتسام" (35عامًا).
ولم تتمالك "ابتسام" نفسها، وتحدثت لـمراسل وكالة "صفا" وهي تبكي بحُرقة فقالت: "كنت متوقعه استشهاده، بُحكم عمله بكتائب القسام، لكن ليس بهذه السرعة، لأنه لم يمض أشهر على دخوله في المقاومة".
وتضيف "رحيله أثّر فينا كثيرًا، كما رحيل شقيقي باسم من قبله، ولم تجف دموعنا لليوم على رحيله، وأتى استشهاد محمود، ليفاقم من جرحنا، لكن نحتسبهما عند الله".
ورغم لوعة الفراق، إلا أن شقيقة الشهيد تلفت إلى أنه "اختار هذه الطريق المعروفة نهايتها"، مؤكدة فخرها بشقيقيها، وقالت: "كلنا فداء لفلسطين، وسنربي أبناءنا على الجهاد، وتحرير الأرض".
أما محمد الأغا (65 عامًا) والد الشهيد، والذي يكسوا الشيب لحيته وشعره، فكان يبدو متماسكًا أكثر من غيره، لكن دموعه التي ذرفت لحظة وداع نجله، كشفت عن حرقة كبيرة في قلبه.
ويقول الوالد: "تقبّلت الخبر بالحمد لله، أن شرفني باستشهاد ولدي في سبيل فلسطين والوطن، ومحمود ليس ابني وحدي، بل ابن فلسطين، فاليوم شرفني باستشهاده كما شقيقه باسم، الذي لم نعانقه باستشهاده، وكأنني اليوم أعانق الاثنين معًا".
ويضيف "نحسب أنه كان مُجاهدًا، وسيبقى شعبنا مُجاهدًا حتى تحرير جميع الأراضي المُحتلة"، داعيًا المقاومة للصمود والثبات، والعمل على تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي.
