"أصيب برصاص الاحتلال..." عبارة دارجة في أخبار المواجهات الحالية، وهي تشكل الأداة الأكثر فعالية للاحتلال الإسرائيلي في الفتك بالفلسطينيين، فبه وقع غالبية الشهداء والجرحى وذوو الإعاقة، ولكن قليلون يميزون بين أشكال الرصاص المستخدمة وأنواعها.
وطورت قوات الاحتلال طوال عقود أشكال مختلفة من الرصاص لقمع الفلسطينيين، وإن كانت جميعها تطلق من فوهات البنادق إلا أن تأثيراتها واستخداماتها تختلف من حيث مستوى الفتك الذي تحدثه بالشخص المصاب.
وشهدت الانتفاضة الحالية والمستمرة منذ الأول من أكتوبر الماضي استخدامًا واسعًا للرصاص بأشكاله المختلفة وظهرت مسميات مختلفة لأشكال مستحدثة من الرصاص تسببت أحيانًا في إصابات حيرت الأطباء.
الناطق باسم وزارة الصحة أسامة النجار يقول إن وزارته أصدرت تعليماتها للأطباء بكافة المستشفيات للاحتفاظ بجميع أنواع الرصاص المستخرج من أجسام المصابين والشهداء لتوثيقه قانونيًا وملاحقة "إسرائيل" دوليًا ومساءلتها على جرائمها المتواصلة.
ويؤكد النجار في اتصال هاتفي مع وكالة "صفا" استخدام الاحتلال لأنواع جديدة من الرصاص في بعض الحالات لم يسبق العثور عليه في السابق، ويؤدي لتهتك أعضاء الجسم بشكل بليغ.
رصاص بتسميات مضللة
الناشط الحقوقي والباحث في مؤسسة الحق طارق الحاج يوضح أن مؤسسته رصدت خلال توثيقها الطويل لانتهاكات الاحتلال أشكالًا مختلفة من الرصاص، مؤكدًا أن القضية تتعلق أحيانًا بنوع الرصاص، وأحيانا تتعلق بتعمد الجنود إطلاقه على مناطق قاتلة في الجسم.
ويشير الحاج لمراسل "صفا" إلى أن غالبية الإصابات حتى الآن في الأطراف، لكن كون الرصاصة قاتلة من عدمه يعود لقرار الجندي أين سيطلق الرصاص؟، وفي حال كان الإطلاق في المناطق العلوية من الجسد فهو قرار من مطلق النار بإعدام المصاب.
وينوه إلى التسميات المضللة لبعض أنواع الرصاص، مثل الرصاص المطاطي الذي يوحي ظاهريًا بأنه خفيف الإصابة، ولكن تعمد جنود الاحتلال إطلاقه على الوجه والعين تحديدًا يؤدي لإعاقات دائمة ويشكل خطرًا على الحياة.
ويردف الحقوقي قائلًا: "أحيانا تكون الإصابة بالرصاص غير قاتلة، ولكن الإجراءات التي يتبعها جنود الاحتلال في الميدان تجعلها قاتلة، من قبيل عرقلة وصول سيارة الإسعاف وترك المصاب على الأرض لفترات طويلة مما يحول الإصابة غير القاتلة إلى قاتلة".
وحسب المعايير الدولية –وفق الحاج- فإنه لا يجوز للجندي إطلاق النار دون تحذير مسبق، وهذا ما لا يتم في المواجهات الدائرة حاليًا، مما يجعل طريقة استخدام حتى أنواع الرصاص المسموحة دوليًا يتم بطريقة مخالفة وتشكل انتهاكًا صريحًا.
ووثق ناشطون ومؤسسات حقوقية وطبية أشكالًا مختلفة من الرصاص المستخدم في الانتفاضة الحالية أهم أنواعها هي:
1- الإسفنجي الأسود:
رصاصة كبيرة نسبيًا ومبطنة تطلق واحدة تلو الأخرى من خلال بندقية خاصة – وهو سلاح يصنف دوليًا على أنه لا يقتل- إلا أن سلطات الاحتلال طورته وقد أدى إلى استشهاد الفتى محمد سنقرط بمدينة القدس المحتلة في الأحداث الأخيرة.
وأدخل الرصاص "الإسفنجي الأزرق التقليدي" إلى الاستخدام لدى الاحتلال بعد عام 2000، بعد أن حظر تقرير لجنة أور الذي عني بقتل المتظاهرين العرب في أراضي 48 في بداية أحداث انتفاضة الأقصى، واستخدام الرصاص المعدني المغطى بالمطاط. والرصاص المطاطي القديم الذي كان قاتلًا في بعض الحالات داخل أراضي 48.
وهذا النوع من الرصاص يصنع بقطر 40 ملم مصنوعة من البلاستيك وعلى رأسها قبعة مصنوعة من الإسفنج المقوى الأزرق الذي يفترض به أن يقلل شدة الإصابة في جسد الإنسان.
وجاء في تقرير أصدرته منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية أن هذا الرصاص المصنوع من الاسفنج المقوى أكثر دقة وأقل خطورة من الرصاص المطاطي.
ولكن جنود "حرس الحدود" والشرطة الإسرائيلية اشتكوا من أن الرصاصة الاسفنجية الزرقاء ليست ناجعة بما فيه الكفاية حيث أدخل الطراز الأسود، الأصلب والأقوى.
والرصاصة السوداء أطول قليلًا من الزرقاء وأثقل منه بشكل واضح. وفي تحقيق أجرته صحيفة "هآرتس" العبرية بين أن وزن الرصاصة السوداء (دون القاعدة المعدنية التي تبقى في آلة إطلاقها) هو 62 غرام، أكثر بقليل من ضعف وزن الرصاصة الزرقاء (30 غرام).
2- المطاطي:
وهو عبارة عن كتلة مطاطية سميكة وشديدة الكثافة على شكل أسطواني بقطر 17ملم وطول 18ملم، وهي لا تقل خطورة عن سابقاتها، خاصة إذا ما استعملت من مسافة قريبة تقل عن 40متراً وهو المجال المسموح به دولياً، وتزداد شدة الخطورة إذا ما أصابت مواقع حساسة من الجسم مثل العين.
ويلاحظ أن الجيش الإسرائيلي لم يستخدم هذا النوع من الرصاص على نطاق واسع كحجم استخدامه للأعيرة الفولاذية، نظراً لأن هذا النوع من الرصاص يفتقر إلى الدقة واحتمال تسببه في إصابات قاتلة أقل.
3- المعدني المغلف بالمطاط:
وهو الرصاص المطاطي بعد أن أجريت عليه تعديلات؛ بحيث أصبحت نسب المطاط فيه قليلة، لصالح زيادة الأجزاء المعدنية فيه، لذلك بات يعرف بهذا الاسم، وأضراره أكبر بكثير من الرصاص المطاطي الذي كان مستخدمًا بانتفاضة الأقصى عام 2000 لدرجة أنه قد يكون قاتلا إذا كانت الإصابة في الرأس مثلًا.
وتطلق قوات الاحتلال نوعيْن منه يكون لبّهما مصنوعًا من المعدن ومغلّفًا بالمطاط أو البلاستيك، حيث تُطلق من هاون يكون مُركّبًا على قصبة السّلاح. وتقوم الصّناعات العسكرية الإسرائيلية بإنتاجها.
ويطلق على شكل 15 حبة دفعة واحدة. هذه الطلقات معدنية مغلفة ب1-2 ملم من المطاط، يطلق من فوهات متعددة الرؤوس، كما يمكن إطلاقها من فوهة خاصة تثبت على بنادق ام -16 التي يستخدمها الاحتلال.
واسم هذا النوع من الرصاص مضلل، فالانطباع عن الرصاص المطاطي أنه سلاح غير قاتل كما يصور ويسوق جيش الاحتلال، إلا أنه ومنذ عام 2000 أثبتت حالات قتل مباشر به.
4- المغلف بالبلاستيك:
بدأ استخدامه عام 1973 عبر الأمن البريطاني في ايرلندا، وأدى لمقتل 40 ايرلنديا، ويعد من الرصاص المتشظي، إذ يتفتت لقطع صغيرة ليصيب نقاطًا مختلفة من جسد الهدف، وتطلق الرصاصة من بندقية قنص بمعدل رصاصة في كل جولة، وتؤكد التجارب الدولية أنه قاتل.
5- التوتو:
وهو رصاص ينقسم إلى شظايا وتؤدي الإصابة به أحيانًا إلى الوفاة. وسميت كذلك نسبة لعيار رصاصاتها 0.22 ملم، بدأ استخدامه بشكل متصاعد منذ عام 2001 وهو رصاص يطلق من بندقية قنص خاصة، ويصل مداه لحوالي 140 مترًا.
وحجم الرصاصة وكمية المادة المتفجرة واستدارة مقدمتها مبررات يسوقها جيش الاحتلال لتصنيفها ضمن الأسلحة غير القاتلة، إلا أنها أدت في أكثر من مناسبة لإصابات قاتلة وأودت بحياة العديد من المتظاهرين.
وهي تصنف ضمن الرصاص الحي الخطير، ويستخدم هذا النوع بالعادة من مسافات قريبة وإطلاقه بدقة عالية عبر القنص واستخدام كواتم صوت في عملية ضرب المتظاهرين.
وخلال حوادث سابقة على مستوى العالم، أثبت أنه قاتل، فقد أدت هذه الرصاصة لسقوط 11 قتيلًا في مذبحة كاوهاجوكي في فلندا عام 2008، كما استخدمت في اغتيال السيناتور الأمريكي روبيرت كيندي وغيرها من الحوادث المميتة
6- الدمدم:
ويعود سببت تسميته إلى منطقة إنتاج النسخة التجريبية الأولى من هذا الرصاص المتفجر من قبل الاحتلال البريطاني في منطقة دمدم الهندية، ودخل استخدامه في بنادق القنص في سبعينيات القرن الـ19.
وتتشابه مئات الأنواع والتصاميم منه بصفتها الانشطارية والانفجارية بعد إصابة الهدف للحاق أكبر قدر من الضرر بالأعضاء الداخلية، والتي تؤدي بمعظم الأحوال لتلف وأضرار جسيمة إن أصابت الأجزاء السفلية من الجسد، والموت إن استهدفت الصدر أو الرأس.
واستخدم بكثافة خلال انتفاضة الأقصى ويتم استخدامه بين الفينة والأخرى وبوتيرة أقل خلال الانتفاضة الحالية، فيما يلقى إدخاله بأي مواجهات اعتراضات واسعة من قبل مؤسسات حقوق الإنسان كونه من الأسلحة المحرمة دوليًا وفق اتفاقية لاهاي.
وهذا السلاح استخدم على نطاق واسع خلال الحرب الأهلية الأمريكية في القرن التاسع عشر وهو محرم دوليا منذ عام 1868عندما صدر تصريح بطرسبيرغ بتحريم استعمال الرصاص المتفجر (الدمدم).
وأيد مؤتمران دوليان عقدا في لاهاي بهولندا، سنة 1899 وسنة 1907 (مبادئ بطرسبورغ) التي ترتكز على أن استخدام أسلحة تسبب "معاناة غير ضرورية" أو "أذى زائداً" محرم. وأعيد تأكيد هذا المبدأ المعتبر أيضاً جزءاً من القانون الدولي العرفي، في مؤتمر دبلوماسي عقد في جينيف، سويسرا، سنة 1977.
7- الفولاذي: عبارة عن كتلة معدنية كروية صغيرة الحجم بقطر 17 ملم شديدة الخطورة، خاصة إذا ما استخدمت من مسافة قريبة، وقد استخدم هذا النوع من الرصاص كثيرا وأدى لحالات استشهاد عديدة.
8- المتفجر ذو الأسطوانة النحاسية المتعرجة:
وهي رصاصة غريبة وجديدة ذات مخرجين وان الجهة التي يخرج منها الطبق الناري تكون أكبر من الجهة التي يدخل منها كما أنها تحدث تهتكا في الأنسجة وكانت تسبب الإعاقات رغم أنها لم تكن في مناطق حساسة.
وصدم أطباء التشريح خلال الفحص الجنائي لجثماني الشهيدين خالد جوابرة (18عاماً)، وإبراهيم عبد الحليم داوود (16عاماً)، خلال الانتفاضة الحالية بوجود هذا النوع الجديد من الرصاص بجسدهم، لم يسبق العثور عليه مسبقا وهو رصاص على شكل اسطوانة نحاسية بوسط متعرج ورأسية دائرية يتسبب بأضرار جسيمة لأعضاء الجسم.
