فصلت أيّام قليلة عن احتفال الشّاب عبد الله عزّام شلالدة من بلدة سعير شمال الخليل بإنارة شمعة العام الأوّل لطفله الوحيد عزّام، ولم يكن يعلم أنّ رصاص وحدة المستعربين لجيش الاحتلال الإسرائيلي سيحرمه من هذه اللحظات.
واستشهد شلالدة (27 عاما) فجر الخميس بعد إعدامه بدم بارد بلا سبب سوى مرافقته لابن عمّه المصاب برصاص المستوطنين في المستشفى الأهلي في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية.
وبينما يتقلّب الطفل عزام بين أيدي النسوة اللائي يملأن المنزل لا تملك جدته سوى الدعاء لنجلها الشهيد عبد الله بالقبول والرّحمة، مشيرة إلى أنّه المعيل الوحيد للعائلة وكانت تحلم باليوم الذي يكبر فيه بعد أن توفي والده وهو في الصفّ الأول الابتدائي وربّته يتيما.
وتتذكر والدة الشهيد عبد الله كيف غمرتها السعادة عندما تمكنت من إتمام زواج عبد الله من ابنة عمّه حيث أنجبا طفلا، لكنّ الاحتلال حضر لإعدامه لوقوفه إلى جانب ابن عمه الذي يعاني من جراح خطيرة ويترك طفله يتيما.
وتشير إلى أنّ الاحتلال أعدم بجريمته كامل أحلام العائلة بمستقبل جميل لأبنائها، وتستدرك الأمر بنذره شهيدا لأجل المسجد الأقصى.
وكشفت كاميرات مراقبة للمستشفى الأهلي عن انتحال وحدات مستعربة لمواطنين فلسطينيين أحضروا سيدة لتضع طفلها في حالة المخاض إلى المستشفى، ترافقها سيدات منقبات وشبّان ملتحين يلبسون الكوفيات الفلسطينية.
وأبلغ جنود وحدة المستعربين الطواقم الطبية في المستشفى نيتهم نقل السيدة التي أحضروها عبر كرسي متحرّك إلى قسم الولادة، قبل أن يتلاحق الداخلون إلى المستشفى على هيئات مختلفة منها لحى طويلة وثياب وقبعات، توجّهوا جميعا إلى قسم الجراحة حيث الجريح عزّام شلالدة.
قتل واعتقال مباغتين
يروى بلال شلالدة شقيق الجريح المعتقل عزام شلالدة لوكالة "صفا" أنه كان نائما إلى جوار شقيقه فيما كان ابن عمه عبد الله داخلا إلى الحمام في الغرفة للتحضير لصلاة الفجر قبل أن يقتحم أكثر من 10 من المستعربين الغرفة، ويشهروا السلاح في وجوههم.
وذكر بلال أن جنود وحدة المستعربين "عمدوا إلى تكبيلي في سرير شقيقي، قبل أن يخرج عبد الله من الحمام ليطلق عليه المستعربون خمس رصاصات من مسافة الصفر، ودون أيّ مبرر أو ذريعة".
ويوضح أنه كان بالإمكان اعتقال عبد الله والسيطرة عليه لأنّه لم يشكل أيّ خطر على القوة المستعربة، لكنّه كشف عن حالة الخوف التي كانوا يعيشونها وحالة الارتباك التي دفعتهم لإطلاق الرصاص على كلّ ما يتحرك.
ويشير بلال إلى أن أفراد الوحدة المستعربة ضربوا شقيقه على رأسه واعتدوا عليه بالضرب المبرح، دون أن يراعوا إصابته بتسع رصاصات أطلقها أحد المستوطنين صوبه أثناء قطافه لثمار الزيتون.
ولفت إلى ان جنود الاحتلال كانوا أغلقوا غرفة الأطباء والممرضين ومنعوهم من الخروج أو تقديم أي نوع من العلاجات لعبد الله قبل أن يتصفى دمه ويرتقي شهيدا وبعد تأكدهم من هذا الأمر اقتادوا المصاب عزام عبر الكرسي المتحرك إلى الاعتقال.
أمن دون سلاح
أمّا مدير المستشفى الأهلي الطبيب جهاد شاور فيقول لوكالة "صفا" إنّ ما جرى لا يمكن مواجهته من جانب حراس المستشفى باعتبارهم موظفين عاديين لا يحملون السلاح، خاصّة وأنّ الحادثة وقعت في غضون دقائق قليلة وباستخدام أنواع مختلفة من الأسلحة وبقوة مفرطة.
ويصف شاور الاعتداء على المستشفى بالجريمة المركبة، التي تخللها اعتقال مريض لم يستكمل علاجاته الطبية من ناحية، ومن الناحية الأخرى إعدام مرافقه دون مبرر وداخل غرفة المريض.
وشدد على أن الأمر يمثل انتهاكا صارخا لكل القوانين الإنسانية والدولية، واعتداء على صرح طبي، ومخالفة لكافة الدساتير الطبية العالمية.
وقوبل اقتحام جنود الاحتلال للمستشفى الأهلي بتنديد فلسطيني رسمي وأهلي واسع النطاق وسط مطالبات للمنظمات الحقوقية والدولية بالتدخل لوقف انتهاكات الاحتلال بحق المؤسسات الطبية.
حرمة المستشفى
ويقول الناشط الحقوقي هشام الشرباتي في حديثه لوكالة "صفا" إنّ المستشفى لها حرمة في النزاعات المسلحة، ولا يجوز المساس بها، ويفترض أن تحمل إشارات خاصة في الحروب والنزاعات، ويجب أن لا تمسّها أيّة جهة من الجهات المتحاربة.
ويرى الشرباتي أن ما يجري في فلسطين ليس تعاملا من جانب الاحتلال مع الفلسطينيين على أنّهم محاربون أو أسرى حرب، وإنّما يعاملهم تعامل الدول مع المجرمين.
ويشدد على أن الحل يكمن بإجراءات فلسطينية لحماية المستشفيات بتعزيز الأمن وإجراءات الدخول والخروج، مع أن هذا ليس حلّا جذريا للأزمة، باعتبار أن المشكلة كامنة بالاحتلال وبانتهاكاته للحياة الفلسطينية.
وكان أمين عام مجلس الوزراء الفلسطيني علي أبو دياك أعلن اليوم أن رئيس الوزراء وزير الداخلية رامي الحمد الله أصدر تعليماته لكافة الأجهزة الأمنية بتشكيل "قوة مشتركة لتكثيف الحراسة" لحماية المستشفيات في الأراضي الفلسطينية.
وسبق أن اقتحمت قوات من جيش الاحتلال الإسرائيلي (المستشفى العربي التخصصي) في نابلس ومستشفى (المقاصد) في شرق مدينة القدس المحتلة أكثر من مرة الشهر الماضي.
