أثرت مشاهد أحداث انتفاضة القدس المُشتعلة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وشاشات التلفزة، في وجدان ونفسية الفنان التشكيلي الفلسطيني ورسام الكاريكاتير المُغترب محمود نعيم عباس (29عامًا)
ولم يستطع الفنان "عباس" المُتغرب عن وطنه ومسقط رأسه بلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، منذ نحو أربع سنوات للسويد، أن يقف مكتوف اليدين وعاجزا أمام تلك المشاهد، فبُعد المسافة لم يجعله يُشارك بجانب الشباب الفلسطيني الثائر بالانتفاضة، لكن على الرغم من ذلك، أطلق العنان لريشته الفنية لتنتفض.
وتشاور "عباس" خريج التصميم الجرافيكي، مع رفاقه العاملين في مؤسسة "فلسطين ميديا" حول كيفية البدء في عمل تضامني يدعم الانتفاضة، ويُخلد ذكرى الشهداء العظام، الذين أشعلوا بدمائهم لهيب الانتفاضة، ومن هنا كان الاختيار، بأن يبدأ بحملة لرسم لوحات فنية للشهداء، تُبقيهم أحياءً في نفوس ذويهم، تحت عنوان "الشهداء لا يموتون".
وما زاد الفنان حماسةً لتلك الفكرة، أنه ولد من رحم عائلة معطاءة بالشهداء، فوالده "نعيم عباس60عامًا" شهيد ارتقى خلال عدوان "2008_2009م"، وهو يحمل سلاحه بيده مرابطًا، وتلاه شقيقه الأكبر "حسين" 33 عاما وسبقهم شقيقه الأخر "مصطفى19 عامًا" منتصف عام 2007م، خلال اشتباك شرق بلدة بيت لاهيا مع قوة إسرائيلية.
ويُعتبر الفنان "عباس" من أكثر الفنانين الفلسطينيين إبداعًا في الرسم الرقمي، الذي يتم باستخدام القلم الضوئي "تابليت"، وله الكثير من الأعمال المؤثرة، وشارك في كثير من المعارض التي تعكس الواقع الفلسطيني، في الدول الأوروبية، خاصة خلال عدوان 2014م، ولاقت تأثيرًا كبيرةً.
تكريمًا لهم
وتمكن "عباس" الذي بدأ برسم اللوحات قبل ثلاثة أيام، من إنجاز نحو أربع لوحات فنية، للشهداء "مُهند الحلبي، دانيا إرشيد، بيان عسيلة، بهاء عليان"، وما زال يواصل عمله في رسم بقية الشهداء، حتى يتمم ذلك بشكلٍ كامل، بواقع صورتين كل يومين، ونشرهما، عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ويضع داخل كل لوحة السنة التي ولد بها الشهيد، والتي استشهد بها، وأعلاها اسم الحملة "الشهداء لا يموتون"، كذلك عبارة "دماؤهم تزهر ثورة، شهداء انتفاضة القدس"، وينوي تسليم كل عائلة شهيد صورة لابنها، بعد طباعتها، من خلال الفريق العامل به، المُكلف بإتمام التصميم والطباعة خارج وداخل فلسطين.
ويرى الفنان "عباس" الذي يقتصر دوره على الرسم وتصميم البوستر، في حديث لمراسل "صفا" أن أعماله الفنية، أقل تكريم لشهداء انتفاضة القدس، وقال : "الفكرة هي بمثابة توثيق لجميع شهداء الانتفاضة، وأردنا من ورائها دعم صمود وانتفاضة شعبنا في الضفة المحتلة والقدس والداخل المحتل عام 48م بوجه الاحتلال".
نشرها وتوثيقها
ويتابع عباس "سنقوم بفريق (فلسطين ميديا) الذي يضم مونتير، ومصورين، وصحفيين، ومصممين، بإعداد فيديوهات للشهداء، مرفقة بالرسومات، وعرضها عبر وسائل الإعلام المُختلفة، ومواقع التواصل، لتحقيق أكبر انتشار، وإحداث أكبر تأثير، خاصة في الرأي العام في أوروبا".
ويشدد "شهداؤنا ليسوا أرقامًا، بل وراء كل واحد منهم ألف رواية وحكاية، فُحق لنا أن نُخلدهم، عبر رسمهم بطرق إبداعية متميزة، ومنح ذويهم صورهم كأقل هدية ومكافئه لصبرهم وصمودهم وتضحياتهم"، مشيرًا إلى أن هناك هدفا أخر لحملتهم وهو "فضح ممارسات الاحتلال، خاصة عبر فن الكاريكاتير، والبوستر وإرسالها للعالم".
ويواصل الفنان حديثه "العالم كان يومًا يتعاطف مع (إسرائيل)، لأنها تفوقت علينا إعلاميًا، واستطاعت التأثير في العالم، من خلال إبراز أنها هي الضحية، لكن اليوم أصبح لدينا إعلام قوي، ليس فقط عبر شاشات التلفزة، والصحف، والمواقع الإخبارية، بل عبر مواقع التواصل، وعبر الأعمال الفنية، التي تترك أثارًا كبيرةً".
ويلفت عباس أنه على يقين أن ما يقدمه لا يرتقي لما قدمه الشهداء، وذويهم، الذين قدموا أغلى ما يملكون لخدمة القضية الفلسطينية، "فلا يستوي مداد الدم ومداد القلم"، مؤكدًا أن تأثره باستشهاد والده وشقيقيه كان دافعًا لرسمه لعشرات الشهداء، وإعطائه دفعة للاستمرار في فضح جرائم الكيان، ودعم صمود شعبه.
