تعيش عشرات العائلات البدوية في منطقة "مسافر يطا" جنوب محافظة الخليل حياة فقر وكفاف شديدين، في وقت تضاعفت فيه أزمة الجفاف والبطالة، واختفت المراعي وتصاعدت إجراءات الاحتلال في استهدافهم والتنكيل بهم.
وتقطن هذه العائلات في المنطقة التي أقيمت على أراضيها مستوطنة كرمئيل الواقعة على بعد (30) كم جنوب مدينة الخليل، فيما تعد كسرة الخبز وكأس الشاي الوجبة الأساسية والوحيدة التي يسدون بها رمق أبنائهم طيلة اليوم.
ويشير أحد سكان المنطقة محمد الهذالين إلى أن السكان يعتمدون على وجبتين يتيمتين في اليوم، حيث يفطر الأولاد قبل ذهابهم للمدرسة على قليل من الخبز والشاي، وبعض الزيت إن توفر لهم.
أما على الغداء، فإن الاعتماد يكون على العدس أو ما تدره أغنامهم الضعيفة من ألبان، ولا يأكلون اللحوم إلا مرات قليلة في الشهر، مشيراً إلى أن عائلات كثيرة لا تدخل اللحوم بيوتها سوى مرة واحدة كل خمسة شهور.
حرمان وفقر
ويشير الحاج سلامة السيايلة، الذي يمشي عشرات الكيلومترات في اليوم لعدم توفر دابة تقله بين أغنامه المعدودة والمراعي البعيدة، إلى أن السكان يعتمدون على
![]() |
| المنطقة مهمشة وتقع في السفوح الشرقية ويسكنها حوالي 3500 نسمة، |
مساعدات قليلة تقدمها المؤسسات الإغاثية، ويعيشون على طعام قليل جله من الخبز والشاي.
ويقول لوكالة "صفا" :" إن الناس يعيشون دون أكل، حيث لا يوجد حليب أو لبن، ويتمنى الكثيرون أكل طبخة (الجريشة) المكونة من القمح المطبوخ لكنهم لا يجدونها".
ويوضح السيايلة أن أكثر من نصف الناس ينامون دون عشاء، وآخرين لا يأكلون اللحم سوى مرة واحدة في العام على الأكثر.
أما بلال الهذالين فيروي قصة أخرى، حيث حرمته ظروفه من إكمال دراسته بجامعة القدس المفتوحة التي التحق بها في مدينة يطا، ورغم تكاليفها الزهيدة نسبياً، فإن وضعه المادي لم يسمح بمواصلة دراسته، فاضطر لتركها والجلوس في البيت دون تعليم أو عمل.
ويعيش سكان المنطقة في بيوت من الشادر والصفيح دون ماء أو كهرباء أو حمامات، إضافة لسقائف لأغنامهم التي باعوا أغلبها بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف، وفقر المراعي ومصادرة الاحتلال لمساحات كبيرة منها وتحويلها إلى مناطق عسكرية، دون دعم ملائم من السلطة الفلسطينية، حسب ما يرويه السكان.
وتتوفر مدرسة أساسية واحدة في المنطقة وحتى الصف التاسع الأساسي، أما المدرسة الثانوية فيمشي التلاميذ عدة كيلومترات للوصول إليها، ويحصل الكثيرون على شهادة الثانوية العامة بنجاح، لكنهم لا يستطيعون إكمال تعليمهم الجامعي.
أما بالنسبة للكساء، فيقول مدير المدرسة عيد الهذالين :" إن الآباء لا يجدون بداً من شراء قطعتين من الملابس لأبنائهم بداية كل عام جديد، ويلبسون ثيابا قديمة في الشتاء، ولا يعلم الأبناء معنى كلمة مصروف يومي"، على حد تعبيره.
وفي ما يتعلق بالعلاج، يصف الهذالين لوكالة "صفا" الخدمات الطبية بالمعدومة، حيث توجد عيادة طبية لا تفتح أبوابها سوى ساعة واحدة في الأسبوع بخدمات شحيحة.
وأشار إلى أن الكثير من النساء أنجبن أطفالهن في سيارة نقل للأغنام أثناء نقلهن إلى المستشفى في مدينة الخليل البعيدة عن المنطقة.
ويقول :" إن أغلب المواطنين يعانون الفاقة والعوز، فيما تصل نسبة البطالة إلى (90) بالمئة من إجمالي عدد السكان، ويفتقدون لأبسط الخدمات باعتبار المنطقة صحراوية.
ترحيل وصمود
وفوق هذه المعاناة، تواصل قوات الاحتلال مخططات ترحيل السكان البدو عن أرضهم التي اشتروها منذ حوالي (60) عاماً، حيث أقامت مستوطنة "كرمئيل" على جزء كبير من الأراضي، وما تزال تلاحقهم للاستيلاء على ما تبقى منها.
وتعيش عشرون عائلة بدوية من عائلة الهذالين في منطقة أم الخير جنوب المستوطنة، تضم حوالي (150) نفرا، يتعرضون لاعتداءات المستوطنين المستمرة.
ويقول ياسر الهذالين (45 عاماً) :" إن سلطات الاحتلال سلمتهم يوم في 11 تشرين ثاني/ نوفمبر الماضي تسعة إخطارات لهدم خيم وبيوت من الخيش مقامة منذ عشرات السنين بدعوى محاذاتها للمستوطنة، موضحاً بأن حياً كاملاً حكم عليه بالإعدام".
ويعبر عن استغرابه من تهديد بيوت من الشعر أو الخيم، رغم أنها منازل متنقلة، مفضلاً "افتراش الأرض والتحاف السماء" على رحيله عن أرضه.
ويلفت إلى أن نضال عائلته قديم ضد قوات الاحتلال للحفاظ على الأرض، مشيراً الى أنه ورثها من أبيه عن جده واستمر في حمايتها ورفع الاحتجاجات للمؤسسات الحقوقية، معرباً عن أسفه لعدم إثمار كل الجهود حتى اللحظة مع استمرار التوسع والاستيطان.
بدوره، أكد رئيس بلدية يطا زهران أبو قبيطة أن منطقة "مسافر يطا" غير مستغلة بسبب إحاطتها بالمستوطنات وتدخل قوات الاحتلال لمنع أي إعمار أو أنشطة استصلاحية.
وبين أن المنطقة مهمشة وتقع في السفوح الشرقية ويسكنها حوالي 3500 نسمة، فيما تبلغ مساحتها حوالي 30 ألف دونم، وهي مناطق مراعٍ، لكنها تتسم حالياً بالجفاف بسبب منسوب الأمطار القليل فيها خلال السنوات الأخيرة.
أما بالنسبة لأنشطة البلدية في مجال النهوض بواقع السكان هناك، أكد أبو قبيطة أن البلدية تكرر زياراتها وتواصلها مع السكان، وتطلع بشكل متواصل الإعلام على معاناتهم.
وأوضح أن "مسافر يطا" بحاجة ماسة إلى مقومات الصمود، مبينا بأن البلدية أقامت خلال الفترة الماضية مدرسة جديدة، لكنها غير كافية لاحتياجات المنطقة، فيما يجري العمل على تأمين حافلة لنقل للطلبة منها وإليها.
وبالنسبة للبنية التحتية، بين أبو قبيطة أن الاحتلال يمنع إقامتها وتطويرها ويصادر أية معدات للبلدية تقترب من المنطقة، بذريعة أنها مصنفة ضمن مناطق (جـ) الخاضعة للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية.
ويؤكد أنه "رغم الصعوبات فلن نعدم الوسائل"، متعهداً بالبحث عن وسائل أخرى جديدة، وتوصيل المياه عبر جرارات زراعية، أما الكهرباء فجرى تزويد المنطقة بالطاقة الكهربائية عن طريق الخلايا الشمسية.

