نشرت عميرة هاس تقريراً في صحيفة "هآرتس" منتصف الشهر الجاري تحت عنوان "طرد بدون شاحنات" تحدثت فيه عن عملية التهجير التي تتم بهدوء لسكان قرية ظهر المالح في جنين واصفة ذلك بالتهجير الهادئ الذي لم يثر ضجة إعلامية.
وقالت هاس في تقريرها: "غادرت ثمانيعائلات من بين أربعين في ظهر المالح قريتهم الصغيرة وانتقلوا للعيش في الجانبالشرقي لجدار الفصل العنصري، لم يستطيعوا أن يتحملوا أكثر الحظر الإسرائيلي على بناءالبيوت".
واقع مؤلم
وأضافت "لم يستطيعوا تحمل القيود التي فرضها عليهم الجدار ومخططوه: فمحظور على الأقرباء والأصدقاء أن يزوروهم، ومحظور المرض أو الولادة في الليل، لأن الباب آنذاك سيكون مغلقاً، ومحظور نقل الغذاء بكميات تلائم العائلات الكبيرة، ومحظور الارتباط بالكهرباء، ومحظور بناء عيادة، ومحظور إلى حد الاختناق".
ونوهت هاس في تقريرها إلى أن جيب برطعة يعكس الوضع الفلسطيني كله، أو أصح من ذلك السياسة الإسرائيلية نحو الفلسطينيين وآثارها، من حيث سلب أبناء المكان الحق في التوريث والفلاحة، والحق في حرية التنقل والحق في العمل والحق في الحياة العائلية والسكن والدراسة بحسب الاختيار.
وتسترسل قائلة: "لئن كانت هذه صورة ظهر المالح في الإعلام الإسرائيلي فإن واقعها أكثر قسوة وسوءًا من ذلك في هذه القرية الصغيرة المحاطة بجدار الفصل العنصري".
وأشارت إلى أن المنطقة محاطة بأربع مستوطنات هي: "شاكيد" التي تقع إلى الشرق من القرية بمسافة لا تزيد على 350 متراً منها و"حانيت" التي تبعد عنها 500 م شمالاً؛ ومدرسة "عومر" الاستيطانية على بعد ألف متر إلى الغرب من القرية؛ ومستوطنة "تلمنشة" التي يسكنها اليهود المتدينون.
تصاريح للأطفال
ويقول أحد سكان المنطقة أحمد الخطيب إن أبناءها يدرسون في قرية طورة المجاورة والتي يفصلها عن القرية بوابة الجدار، "ولك أن تتخيل أن أطفال رياض أطفال في الخامسة من العمر لا يمرون إلا من خلال تصاريح".
ويضيف "يوجد في القرية 40 طالباً من مختلف الأعمار يتوجهون صباح كل يوم إلى البوابة، وكل من لا يحمل تصريح يعود، وأحيانا كثيرة يضيع الطفل تصريحه لأنه لا يفهم معنى كلمة تصريح فيعود أدراجه إلى المنزل أو يواجه إعاقات حتى يعبر".
وينوه إلى أن هذه القرية الصغيرة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة وكل شيء فيها ممنوع، ويهدف الإسرائيليون إلى جعل الحياة فيها مستحيلة.
ويشير الطالب خالد الخطيب إلى أن التنقل في القرية "كابوس"، فهو يدرس في الجامعة العربية الأمريكية، وهاجس البوابة يلاحقه في كل يوم، وكثيرون يضطرون للسكن خارج البلدة للهروب من هذا الواقع.
ويعدد أوجهاً مختلفة لمعاناة الطلبة ومنها: ضعف التيار الكهربائي؛ فهي بالكاد تضيء خمس ساعات في اليوم في أحسن أحوالها، وهذا ينعكس على قدرة الطلبة على الدراسة خاصة في الليل، إضافة إلى استخدام التقنيات المختلفة من حاسوب وانترنت.
كل واشرب فقط
وتحظر سلطات الاحتلال على أهالي القرية كل أشكال الحياة باستثناء الأكل والشرب؛ حيث يقول رئيس المجلس القروي غالب الخطيب: "يمنع البناء أو التعمير داخل قريةظهر المالح لأنها منطقة (سي) وذلك بحسب التقسيم الإسرائيلي للمنطقة".
ويضيف في حديث لـ"صفا" "يبلغ عدد سكان ظهر المالح 250 نسمة بعد أن كانوا قبل بناء جدار الفصلالعنصري نحو 3680 نسمة تقريبا؛ فقد هاجر معظمهم من القرية وانفصل آخرون بفعل الجدار".
ويتابع: "هناك العديد من البيوت المهددةبالانهيار من قبل الاحتلال لأنها تعد غير قانونية بنظرهم لكونها مبنية بدون تراخيص لا تمنح أصلاً، قدمنا للجانب الإسرائيلي خارطة هيكلية للقرية حتى يسمحلنا بالبناء ولا جواب".
من جانبه، يقول المواطن أحمد الخطيب: "هدموا منزلنا العام الماضي بحجة البناء بدون ترخيص، ومنزلنا بحاجة إلى تصليحات، لكن ذلك ممنوع؛ فمواد البناء من المحظورات في قريتنا".
ويشير إلى أن الشباب يضطرون للبناء خارج القرية في جنين أو طورة وغيرها في حال قرروا الزواج لأن التوسع والبناء ممنوع، وهذا تهجير قسري بلباس طوعي.
بلدة بالأقفال
يصف سكان القرية حياتهم بالصمود المستحيل، فهم محاسبون في كل شيء، حتى كميات الغذاء الذي يسمح لهم بإدخاله مقنن إلى حد كبير؛ فإذا "أردت شراء عدة دجاجات يقال لك ألا تكفيك واحدة، وإن كان لديك جرتي غاز يقال لك ماذا تريد بالثانية، إذ يمنع اقتناء أكثر من جرة غاز للأسرة الواحدة".
ويقول خالد الخطيب: "قريتنا سجن يتحكم به عدد من الجنود صغار السن، يفتحونه من السابعة صباحاً ويغلقونه في السابعة مساءً، وفترة إغلاق أخرى من العاشرة إلى الثانية عشرة لراحة الجنود، كما يسألون عن كل صغيرة وكبيرة".
ويقول رئيس المجلس: "المؤسسات المحلية والدولية لا تقدم لنا شيئا منذ بناء الجدار، ذلك أن كل شيء ممنوع، وحتى الأدوات الكهربائية يمنع إدخالها، ولدينا ماتور كهرباء جديد لدى شركة كهرباء عنبتا ولكن يمنع إدخاله".
ويضيف "كل القرى حولنا ربطت بشبكة الكهرباء القطرية ما عدانا، فما زلنا نعيش على المواتير التي تحتاج إلى صيانة وتجديد، كما أننا نحصل علىالمواد التموينية والوقود من قرية برطعة داخل الجدار والتي تبعد حوالي 15 كم عنقريتنا".
ويعقب الخطيب: "كان يأتي إلينا الأطباء ويستأجرونغرفة بأي منزل داخل القرية للبقاء لمدة طويلة لكن بسبب ممارسات الاحتلال بحقهم لميعد أحد منهم يأتي ليقدم خدماته".
وحول خدمات وزارة الصحة يقول: "قبلبناء الجدار كانت وزارة الصحة ترسل إلينا سيارة مزودة بالخدمات الطبية مرتين أسبوعياً، أما الآن فيجب أن نذهب إلى جنين ولك أن تتخيل حين تكون حالة طارئة في وقت تكون فيه البوابة مغلقة".
