web site counter

26 شهيدًا

"أم المجازر" وصاروخ الإفطار الأخير

خان يونس– هاني الشاعر - صفا

اقتربت القذائف المدفعية وصواريخ الطائرات من ذلك المنزل، الذي يقع وسط بلدة بني سهيلا شرقي محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة، وبدأت العائلة تشعر بالخوف على حياتها، فقرر بعضها، أن يكون الإفطار الأخير داخل المنزل، ومن ثم النزوح لمكانٍ أمن.

خرج الشقيقان "تيسير أبو جامع وبسام"، لأداء صلاة المغرب في المسجد المجاور، وتركوا أطفالهم وزوجاتهم خلفهم على موائد الإفطار، ووالدتهم، وشقيقيهما ياسر وتوفيق وزوجاتهما وأطفالهما، وابن شقيقتهم حسام أبو قينص، فيما توجه شقيقهم حسين وأسرته للإفطار في منزل أهل زوجته.

لم يصل الشقيقان "تيسير وبسام" باب المسجد، مع كلمة الله أكبر.. الله أكبر.. من لسان المؤذن، حتى هز انفجار كبير المكان القريب، لينظرا خلفهما، ويجدا منزلهما المكون من أربعة طوابق، تحول لركامً، على رأس ساكنيه، بعد تعرضه للقصف من طائرات الاحتلال الحربية، في مشهدٍ صادمٍ وغير متوقع.

هرع الشقيقان وهم يصرخان برفقة المُصلين والجيران، ولم يأبهوا التحليق المتواصل للطائرات الحربية الإسرائيلية، ولا القصف المدفعي مُحيط المنطقة، وبدءوا يعملون على استخراج المتواجدين تحت الركام، لحين وصلت سيارات الإسعاف.

ساعات من العمل المحفوف بالمخاطر من جانب، عبر فرق الدفاع المدني والإسعاف ووزارة الأشغال بمعداتها الثقيلة لرفع الركام، وصدمة وصراخ وعويل من تبقوا على قيد الحياة والجيران من جانب الأخر، للمجزرة البشع، حتى تمكنت الفرق من انتشال 26شهيدًا من تحت الركام بينهم "20طفلاً" دون سنة "15عامًا"، في أبشع مجزرة ارتكبت خلال الحرب على غزة الصيف الماضي!

23 رمضان/ 20 يوليو 2014م، كان موعد تلك المجزرة البشعة، فما زالت بكافة تفاصيلها المؤلمة والصادمة، بعد مرور عام عليها، في ذاكرة من نجوا، وكُتب لهم عمرًا جديدًا، ليصبحوا شهودًا، وهم الأشقاء "توفيق، تيسير، بسام، حسين"..

ويتحدث توفيق لـ مراسل وكالة "صفا" وهو يضع صور أسرته التي استشهدت بالكامل وعددها "ثمانية": "لا أعلم حتى اليوم كيف حدث هذا، فكنا ننتظر سماع الأذان، فإذا بالمنزل ينهار، ولم أعلم شيئًا، حتى وصلت المستشفى مُصابًا، أخبروني بأنني خرجت من تحت الركام بعد ساعتين من القصف، ونجلي الطفل نور الدين مُصابا".

 ويضيف توفيق "أخبروني في البداية باستشهاد والدتي المسنة، وبعدها علمت بأن كل من كان بالمنزل لم يبقوا على قيد الحياة، سوى أنا ونجلي نور الدين، فيما استشهدت أسرتي المكونة من (ثمانية أشخاص)، و(ياسر شقيقي وزوجته وأطفاله الثلاثة)، وأسرة شقيقي بسام وتيسير بالكامل المكونتين من (عشرة أشخاص)، وابن شقيقتي حسام".

مر العام سريعًا بألمه، فلا يكاد يمر يومًا إلا ويتذكر "توفيق" تفاصيل المجزرة، ولم تغب عن باله، خاصة لحظة الإفطار في رمضان، (التوقيت الذي استشهدت فيه العائلة بأكملها)، فيتذكر والدته وأسرته، تلك اللحظات الجميلة التي كانت تجتمع فيها الأسرة على مائدة الإفطار.

ويشعر أبو جامع بالأسى، للمبررات التي تسوقها "إسرائيل" لضرب المدنيين ومنازلهم، كما حدث معهم، والتي لا أساس لصحتها، ولعدم التحرك الجدي لمُحاكمة مرتكبي المجازر، خاصة المجزرة بحق عائلته، على الرغم من تعاونهم مع كافة المعنيين، وإعطائهم الإفادات والأوراق اللازمة، متمنيًا أن يُحاكم كل من ساهم بقصف منزلهم.

كابوس النوم

 أما "تيسير" أبو جامع شقيق "توفيق" والذي استشهد جميع أفراد أسرته، لم يذق طعمًا للنوم وللراحة النفسية، منذ المجزرة حتى اليوم، فتلك المشاهد المؤلمة، لإخراج أسرتها، وأفراد المنزل أشلاءً ما زالت ماثلة في ذهنه، وتُلاحقهُ في نومه، حتى تحولت لأشبه "بالكابوس!".

ولم ينس "تيسير" لحظة خروجه من المنزل قبل المجزرة بدقائق، عندما وعد أطفاله بالصلاة في المسجد، والعودة للإفطار معهم، إلا أن القصف فرق الأب عن لقائه أبنائه في أجمل لحظات العام، وهي لحظة "الإفطار".

وأدت بشاعة المشهد لإصابته بصدمة عصبية ونفسية، فقد الوعي على أثرها، لبعض الوقت، ولم يتذكر جيدًا تفاصيل ما حدث، سوى مشاهدته لركام المنزل، وإخراج جثت "والدته" الستينية، ونجله الطفل ريان "5أعوام"، لكنه يتذكر تلك اللحظات السعيدة مع أطفاله الشهداء الذين لا يتعدى أكبرهم "9أعوام" وأصغرهم "9شهور".

"كان نفسهم يفطروا عن أمي"، هذا ما كانت تتمناه أسرة "تيسير"، بعد أن خافوا من صوت القصف المدفعي والجوي الذي اقترب من المنزل، لكنها رحلت قبل أن تحقق تلك الأمنية، لتتحول تلك اللحظة لأكثر اللحظات إيلامًا ووجعًا للأب الذي نجا من الموت، فتطارده تلك اللحظات باستمرار، خاصة في نومه، ولحظة إفطاره برمضان.

وارتكبت "إسرائيل" مجازر بشعة خلال عدوانها على قطاع غزة، من بينها إبادة عائلتها بأكملها، ومسحها من السجل المدني، من خلال قصف المنازل فوق رؤوس سكانيها، دون سابق إنذار، وسجل إبادة أكثر من 48عائلة، معظمها في محافظة خان يونس، من بينها "أبو جامع، النجار، الأسطل، الشاعر، الفرا، الأغا، الحاج، كوارع".

/ تعليق عبر الفيس بوك