نفي مدير عمليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في قطاع غزة روبرت تيرنر وجود مخططات لتصفية أعمال الوكالة الدولية، مؤكدًا أنها باقية "حتى إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين".
لكن تيرنر قال، خلال حوار موسّع مع وكالة "صفا" في الذكرى السنوية الاولى للعدوان على غزة عام 2014، إن وكالة الغوث اتخذت تدابير صارمة لتقليل التكاليف على إثر الأزمة المالية الخانقة التي تعانيها هذا العام، والبالغة 101 مليون دولار، في ظل النفقات المتزايدة، والمدخول المحدود.
إجراءات تقشفية
وأوضح أن من بين الإجراءات المتخذة تقليل عدد الموظفين الدوليين الذين يعملون بعقود مؤقتة، وتجميد التوظيف للموظفين المحليين، وطرح مبادرة "الترك الطوعي" للموظفين الذين خدموا أكثر من عشر سنوات.
ومن الواضح أن برنامج التعليم في وكالة الغوث سيكون المتضرر الأكبر من الإجراءات المتخذة للحد من التكاليف، سيما في ضوء حديث تيرنر عن إعادة النظر في عدد الطلاب في الفصل الواحد، إذ تتجه الوكالة لزيادة العدد لتجنب توظيف مدرسين جددًا.
وقال المسئول الأممي متحدثًا عن الأزمة المالية: "كنا في كل عام نتخطى الفجوة المالية، لكن هذا العام الوضع مختلف تمامًا. ليس فقط لا يوجد لدينا الأموال، لكن حتى التعهدات المطلوبة غير موجودة".
ورغم ذلك، فإن "أونروا" تحاول الاستمرار في تقديم جميع الخدمات المقدمة بشكل مباشر للاجئين، ولم تتخذ قرارات بإيقاف أي من الخدمات، لكنها في طور مناقشة ذلك، وفق ما يؤكد تيرنر.
وأضاف "بالنسبة للأشياء التي ترتبط ارتباطًا مباشرًا باللاجئين كالصحة والمساعدات الغذائية فإنها ستبقى دومًا أولوية ولن يتم المساس بها. وتبقى أولويتنا الأولى محاولة جلب الأموال اللازمة لتغطية الفجوة والاستمرار بالخدمات".
ونفى تيرنر نفيًا قاطعًا إجراء وكالة الغوث أي تقليصات في الخدمات المقدمة للاجئين، باستثناء برنامج التغذية المدرسية الذي كانت تقدمه لطلبة المدارس.
وأشار إلى أن أعداد المستفيدين من مساعدات "أونروا" ازداد من 868 ألفًا إلى 876 ألفًا العام الماضي، بالإضافة لازدياد عدد الموظفين على بند البطالة، فيما لم تجر أي تقليصات على خدمات الرعاية المقدمة للمخيمات، وفق قوله.
وبيّن أن أونروا وضعت في أولوياتها تخفيف آثار الحصار والمطالبة برفعه، وقال: "حتى نكون واقعيين لم نضع لأنفسنا هدف رفع أثار الحصار كلها. كان هدفنا كيفية التخفيف من أثاره والمطالبة برفعه".
"ورغم الحصار والأزمة المالية؛ فإننا استطعنا خلال فترتي بناء نحو 60 مدرسة جديدة، وبعض العيادات الصحية، وما يزيد عن ألفي منزل"، يضيف تيرنر.
النازحون وبدلات الإيجار
وفيما يتعلق بإغلاق وكالة الغوث آخر مركز إيواء للنازحين من العدوان الإسرائيلي الأخير قبيل شهر رمضان المبارك، عدّ تيرنر ذلك "إنجازًا"، لأن الحياة بداخل مراكز الإيواء تعيسة بالنسبة للنازحين، بالإضافة لوجوب البدء بصيانة المدارس لاستقبال الطلبة في العام الدراسي الجديد.
ولفت إلى أن "أونروا" قدّمت دفعات مالية لكل أسرة كانت موجودة بمراكز الإيواء ممن تستحق ذلك بفعل تدمير منازلهم، "وحتى الذين كانوا غير مؤهلين ليأخذوا مساعدات مالية أعطيناهم فرصة للعمل بوظائف موقتة"، وفق المسئول الأممي.

وبخصوص بدلات الإيجار لأصحاب البيوت المدمرة كليًا، قال إن وكالة الغوث ستحاول دائمًا إيجاد تمويل لدفعها، وكانت أعلنت عن وقف صرفها في يناير الماضي لعدم وجود أموال، لكنها استأنفتها الشهر الماضي.
وردًا على سؤال بشأن كيفية تدبر النازحين أمورهم فيما إذا تأخرت بدلات الإيجار في ظل إغلاق مراكز الإيواء، قال تيرنر: "للأسف لا يوجد حلول كاملة أو مثالية. إذ بقي النازحون لأربعة سنوات أخرى في المدارس فهذا ليس حلًا أيضًا".
وفي ملف تقييم أضرار العدوان، واتهام بعض المتضررين الوكالة بـ"الفساد" في هذا الملف إما بتخفيض قيمة الأضرار أو بزيادتها، أشار إلى أن الوكالة فتحت باب الاستئناف منذ إعلان التقييمات، لكنها اشترطت أن يكون مشفوعًا بالأدلة.
ورفض تيرنر الكشف عما إذا قدّم بعض المتضررين استئنافات على التقييمات، واكتفى بقوله: "نحن لا نتعامل بالشائعات. ونتطلع لأي ادعاءات مثبتة. يجب أن يقدم المتضرر طلبًا رسميًا بذلك".
الموظفون الدوليون
وبشأن الاتهامات الموجهة للموظفين الدوليين بـ"أونروا" فيما يتعلق بالحصول على حصة كبيرة من الأموال المختصة لإعادة الإعمار، قال المسئول إن ذلك "غير صحيح"، مشيرًا إلى أن موظفًا دوليًا واحدًا يعمل كمتطوع يشرف على توزيع الاسمنت فقط.
وأضاف "نحن لا نتدخل. العائلات المتضررة جزئيًا تُصّلح منازلها بنفسها. نعطيهم دفعة مالية ثم يأتي بعدها مهندس من مهندسينا المحليين ليرى التقدم في عملية الإصلاح لنصرف باقي المبلغ، ولا يوجد أي موظف دولي يتدخل في هذه العملية".
وذكر أن الموظفين الدوليين لا يتلقون أي رواتب إطلاقًا من ميزانية "أونروا"، "وبعض الموظفين بمن فيهم أنا تدفع رواتبنا من نظام الأمم المتحدة للرواتب بنيويورك، والبعض الآخر من بعض المشاريع، وهناك دول مانحة تدفع رواتب للموظفين، وآخرون يتلقون رواتبهم من حكوماتهم التي أرسلتهم".
معايير الاختيار
وكشف المسئول الأممي عن وجود ثلاثة معايير لتوظيف موظفين دوليين في "أونروا"، أولها وجود حاجة حقيقية وملحة لوجود الموظف الدولي في هذا المكان، وثانيها قدرته على الحركة بحرية خلال تنقلاته، وثالثها تمتعه بمهارة محددة غير موجودة محليًا.
وقال تيرنر: "في غزة هناك مدرسون ومهندسون وإداريون يعملون بشكل ممتاز. برنامج التعليم أكبر برامج أونروا لا يوجد به أي موظف دولي لأننا لسنا بحاجة له، وكذلك برنامج البنية التحتية".
وحين استفسار محاوِر وكالة "صفا" بشأن أن هذه المعايير "فضفاضة"، ويمكن أن تنطبق على كثير من الأشخاص، قال المسئول: "هذه المعايير العامة التي يستعملها الجميع".
وأوضح وجود نحو 13 ألف موظف محلي بأونروا في غزة، ويشكلون نسبة 99.5% من الموظفين، بينما يبلغ عدد الموظفين الدوليين 45 موظفًا فقط يعمل بعضهم بشكل مؤقت.
وأشاد تيرنر بفريق عمله في غزة، واصفًا إياه بـ"الممتاز"، مضيفًا "لا أظن أن نظام الأمم المتحدة في العالم كله عنده فريق ملتزم كالموجود هنا. أنا لا أريد أن أقول إنني مندهش ومنبهر من عملهم، لكن بشكل عام هناك فريق متميز".
أسباب الاستقالة
وعن الأسباب الحقيقية لتقديم روبرت تيرنر استقالته الشهر الماضي، شدد على أنها "ليست احتجاج على شيء"، وقال: "من أول يوم عملت فيه هنا جعلت لنفسي هدفًا أن أستمر ثلاثة سنوات فقط، وها هي تنتهي".
وأضاف "كانت سنوات رائعة، ولكن حان الوقت لأعود لعائلتي. لم أرها منذ ثلاث سنوات. أنا من فكتوريا بريتش كولومبيا بكندا ولم أعش فيها آخر 20 سنة. سأسكن قريبًا من أمي وأبي، هذا قرار شخصي بحت".
وأكد أن سنوات إدارته لوكالة الغوث في غزة كانت صعبة جدًا على أهلها، إذ شنت إسرائيل خلالها حربين (2012- 2014)، لكنه رأى أنه حظي بفرصة فريدة للعمل بمكان مليء بالتحديات.
وأكمل "كوني كنت شاهدًا على ما حدث؛ فهذا شيء مميز، أعدّها تجربة فريدة لأنني تمكنت من التواجد بين سكان غزة وتقديم الخدمات لهم خلال هذه الفترة الصعبة".
تحسن بالإعمار
وفي ملف إعادة إعمار قطاع غزة، قال مدير عمليات وكالة الغوث بغزة إن العملية ستشهد تغيرًا كبيرًا خلال الأسابيع المقبلة، بعد حل بعض "الإشكاليات التقنية" بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل".
وأضاف "أنا شخصيًا أعتقد أننا سنرى تغير كبير جدًا في ملف إعادة الإعمار خلال الأسابيع المقبلة. أعرف أنه أقل من المطلوب لكنها خطوة إيجابية".
لكن المسئول الأممي أشار إلى أن حديثه "لا يعطي ضمانًا لحل جميع المشكلات، بيد أن هناك فرصة لتحسن الأمور لم تكن موجودة خلال الأشهر الماضية".
وتابع تيرنر "سنعلن أشياءً جديدة جيدة خلال الأسابيع القادمة. إنها ليست كافية لإعمار جميع المنازل المدمرة، لكنها تقدم ملموس".
ولفت إلى أن الاتفاق الذي وُقّع نهاية الشهر الماضي بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" بشأن آلية جديدة لإدخال مواد البناء لغزة سيسهل كثيرًا من عملية إعادة الإعمار، "وأصبح الموضوع فقط يتعلق بوجود التمويل".
وقال: "الموضوع فقط الآن يتعلق بالتمويل؛ فبمجرد وجوده سنسلّم الأسماء للموافقة عليها من أجل البدء بعملية البناء".
وأوضح أن "إسرائيل" وافقت، وفق الآلية الجديدة، على أسماء 85 عائلة من غزة للبدء بعملية إعادة إعمار منازلهم المدمرة كليًا خلال الحرب الأخيرة بعد أقل من أسبوع من تقديم "أونروا" أسماءهم، مبينًا أن "أونروا" ستصرف لهم دفعات مالية للبدء بعملية البناء الأسبوع الجاري.
وكشف تيرنر عن وجود تمويل لدى الوكالة لإعادة بناء 200 منزل مدمر كليًا من أصل سبعة آلاف، لكنه قال إن "أونروا" بحاجة للكثير من المال من أجل بناء جميع المنازل المدمرة كليًا.
وكان وزير الأشغال العامة والإسكان مفيد الحساينة أعلن في 24 يونيو الماضي التوصل لاتفاق حول آلية إدخال مواد البناء لغزة، تشمل أصحاب المنازل المهدمة كليًا، والبناء الجديد، وإضافة طوابق جديدة.
كما أعلن الوزير مساء أمس عن موافقة سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إدخال مواد البناء اللازمة لإعادة إعمار الدفعة الأولى من الوحدات السكنية المهدمة كليًا خلال العدوان، والبالغ عددها 663 وحدة سكنية.
