web site counter

هدم منزله 3 مرات

أسرة قديح.. إفطار مُر فوق الركام

خان يونس – هاني الشاعر - صفا

افترش المواطن الخميني قديح (35 عاما) أرضية ما تبقى من بيته المدمر في بلدة عبسان شرقي محافظة خانيونس، وتهيأ مع زوجته وأبنائه السبعة لتناول الإفطار الرمضاني قبالة كرفان خشبي تسلموه مؤخرا.

ورغم الغصة التي أصابت قديح، إلا أنه قرر أن يتناول طعام الإفطار وأسرته داخل منزله المُدمر، فأتي مبكرًا مُجهزًا طعامه، وزين المنزل بالبالونات الملونة والفوانيس الصغيرة ليدخل الفرحة في نفوس أطفاله.

وبعدما تنهد قليلاً، أشار الخميني لمراسل "صفا" بيده صوب ركام منزله، وهو يتحدث "ليس من السهل نسيان تلك الأيام الصعبة التي عشناها، خلال العدوان، ومن الصعب نسيان رحلات التهجير التي عشناها، بعدما هدم المنزل عام 2003م، و2007م، و2014م".

كانت أيامٍ جميلة تلك التي لم تتعد التسعة أشهر، لأسرة قديح بعدما تمكن من ترميم بيته قبل آخر عملية هدم له في الحرب الأخيرة.

لكن لم يرق للاحتلال الإسرائيلي بالاً أن يرى ذاك المنزل الجميل يُبنى للمرة الثالثة، في غضون أقل من (13عامًا)، على بعد نحو 700متر من الحدود الشرقية للبلدة، وتعود الحيوية له بعودة ساكنيه، فكُلما أقامه صاحبه، دخلت جرافته ودمرته، ليعاود بنائه من جديد، أجمل من ذي قبل.

لكن في العدوان الأخير، دُمر بالكامل، بعد اضطر "قديح" وأسرته الهرب منه، تحت نير القصف الإسرائيلي العنيف عليه ومٌحيطه، في عاشر أيام شهر رمضان العام الماضي، تجاه بلدة بني سهيلا، لدى منزل أسرة زوجته، ليلحق بهم العدوان هناك، ويهربون لديوان إحدى عائلات خان يونس.

ومضى "رمضان" الماضي ثقيلاً على أسرته، "ما بين اللجوء داخل الوطن، والنوم وسط زُحام النازحين، الذين تكدسوا داخل الديوان، وما بين التفكير بمصير المنزل، وطفليه الذين حُصرا داخل بلدة خزاعة، بعدما أرسلهما لبيت عمهما، لتنتهي بهم المعاناة للخروج بعناء من البلدة".

ذكريات مؤلمة

وبعد أن وضعت الحربُ أوزارها عادت أسرةُ "قديح" لمنزلها، لتُصدم بأنه أصبح رُكامًا، وكان مرتعًا لعمليات جيش الاحتلال، لتجد نفسها مع موعد لرحلة نزوح رابعة في غضون سنواتٍ قليلة!، ومر نحو عام كامل، وهي تعيشُ مُتنقلة بإذلال بين المنزل بالإيجار، واستقرت منزل الأسرة الأم في بلدة خزاعة.

ويُقلب رمضان هذا العام الوجع مُجددًا داخل الأسرة، فلم تهنأ على مائدة الإفطار، وتجهش أفئدتها بذكريات الماضي، وتحن لتلك الأيام الجميلة، لتتحول لحظة الإفطار السعيدة، مع نطق المؤذن بـ "الله أكبر.. الله أكبر"..، لأكثر لحظات اليوم ألمًا.

عادات سنوية

ولم يُخف "قديح" الألم الذي يعانيه والكبت، فور تذكره للأيام الجميلة التي قضاها وأسرته داخل منزله، خاصة في رمضان، ولم ينسى تلك الأيام العشرة الأولى من نفس الشهر العام الماضي، التي أصر أن يقضيها رغم القصف الشديد، لحين شعر الخطر يقترب منه، فاضطر رغمًا عنه الفرار هاربًا من بطش العدوان.

ويقول "قديح" وقلبه يعتصر ألمًا لـ مراسل وكالة "صفا": "في أول أيام رمضان لم أشعر به قط، حتى عند تناول الإفطار نفوسنا مسدودة عن الأكل، فقررت القدوم للمنزل والإفطار فوق ركامه، فشعرت براحة، رغم أنني اعتصر ألمًا فور النظر إليه".

ويضيف "في كل عام كنا نفطر بفنائه بالهواء الطلق، فوق الحديقة المُعشبة، وأزين المنزل من داخله وخارجه، ونطلق الألعاب النارية، وأشتري المفرقعات للأولاد، صحيح أنه أفضل حالاً من العام الماضي، الذي كان نعيش فيه التشرد، لأن الحرب انتهت، وهذه الأيام نعيش حربًا أخرى مع أنفسنا، التي تحاول التأقلم مع الواقع".

إحساس مفقود

أما نجل قديح الأكبر عبد الله (15عامًا) فيقول: "مش حاس في رمضان، لأننا نعيش بإذلال بعد تدمير دارنا، ونتذكر أيام ما كنا نلعب ونعيش فيها، وأيضًا أيام ما حصرونا اليهود داخل خزاعة، بعدما هربنا من منزلها، رحت على دار عمي، وتحاصرت هناك، ولم أقدر من الخوف على الصيام".

ويضيف متحدثًا بلهجته العامية الطفولية "من شدة القصف لم نستطع الصلاة في المساجد داخل خزاعة، كذلك كنت أبكي كثيرًا أنا وشقيقي محمد المحاصر معي، وعشنا أيامًا صعبة، وفش كهربا، حتى خرجنا من أمام الدبابات الإسرائيلية، فحتى اليوم لم أنس تلك الأيام".

ويتابع الطفل عبد الله "أيام دارنا كانت الأيام حلوة، ونفرح لرمضان، ونشتري الفوانيس، ونولع سلك جلي، أما اليوم مش حاسين حالنا عايشن، فنحن مذلولين من غير منزل، بدنا منزلنا يرجع تاني، ونعيش مثل قبل، ونفرح كأي طفل في العالم".

أما والدة الطفل نوف قديح (35عامًا) فلم تشعر هي الأخرى بأي طعم لشهر رمضان، وتقول: "فريضة وواجب لا بد أن نؤديها، لكن تبقى طقوسها مفقودة لدينا، لأن ما عشناها وما زلنا ليس سهلا، فكيف لنا أن ننسى تدمير منزلنا ثلاث مرات؟".

وتشير "قديح" إلى أن تركهم للمنزل، أصابهم بألم كبير، وتسبب في تدني مستوى أبنائها التعليمي، "حتى أشعر نفسي بأنني ضيفة في الكرفان!، وأتذكر جيدًا تلك الأيام التي مكثنا فيها بمنزل صامدين تحت وطأة القصف، لحين هربنا لمنزل أهلي ببلدة بني سهيلا، ولاحقنا القصف ورحلنا لخان يونس، حتى أتى نبأ استشهاد أخي، فتحول هذا الشهر الكريم لشريط ذكريات مؤلم".

/ تعليق عبر الفيس بوك