لم تكن المواطنة الفلسطينية مارلين غازي النشاش من مدينة بيت جالا بمحافظة بيت لحم جنوب الضفة الغربية تتوقع أن ينقلب المنزل الذي تقطنه رأساً على عقب، أثناء تواجدها في جمهورية "هاييتي" الكاريبية المنكوبة، عقب الزلزال المدمر الذي شهدته تلك البلاد قبل حوالي شهر.
وأصبحت هاييتي بين عشية وضحاها مرتعاً للخراب والدمار والكوارث بعدما ضربها زلزال بقوة سبعة درجات، حصد الملايين من القتلى والجرحى والمهجرين، وأصبحت الأنقاض مدافن لآلاف آخرين لم تسعفهم عمليات الإنقاذ.
النشاش - التي دخلت عقدها الخامس من العمر- ما زالت مشاهد الرعب التي مرت بها ماثلة أمام عينيها قالت في حديث خاص لوكالة "صفا": "إنها صدمت كثيرا من الحادث الذي كان مفاجئاً"، مشيرة إلى أن بيتها أصبح كالكرتون الخفيف في حركته واهتزازه.
وكانت النشاش في زيارة شتوية سنوية لنجلها وابنتها اللذين يسكنان المنطقة منذ أعوام، ويقطنان في منزل يقع في منطقة جبلية، التي لحقتها أضرار أقل بكثير من المنطقة السهلية القريبة من البحر.
ووصفت ما جرى بقولها: "الأرض بكاملها كانت تتحرك، وكل شيء كان يتحرك ويهتز"، مشيرة إلى أن سبعة أشخاص من نفس العائلة تواجدوا في هاييتي، من بينهم ابنتها التي تزوجت في تلك البلاد منذ ثلاثين عاماً.
تفاصيل الحادثة
وبينت النشاش أن هزات عنيفة ومفاجئة شهدها البيت الذي تقيم فيه، سبقها صوت غريب من جهة البحر، وتسبب في تشقق جدران البيت، إضافة إلى الحدائق والأسوار المحيطة به والأدراج، وتساقطت كافة الأغراض والتحف المعلقة والمناظر والأواني الأخرى التي يحويها البيت.
وقالت: "كنت جالسة أشاهد التلفاز في الطابق الأرضي، وكانت ابنتي وأطفالها والخدم، يجلسون في الطابق العلوي، وفجأة اهتز البيت وبدأت الأغراض تتساقط فوقي وفقدت توازني بشكل كامل، وبدأت أصرخ".
وتابعت مستذكرة اللحظات الصعبة: "رأيت كل شيء أمامي يتساقط، وأصبح البيت مثل الأرجوحة، وحاولت الحركة لكنني لم أتمكن، وصرخت بابنتي وأولادها كي يهربوا، لكن لحسن الحظ لم يسقط المنزل فوق رأسي وتمكنت من النجاة وأفراد عائلتي".
آلاف الجثث كانت ملقاة على الأرض، وأخرى مدفونة تحت الأنقاض، والكثيرون فروا بأرواحهم وتركوا أقرباءهم ممن دفنوا ولم يعثر أحد على جثثهم، ومن بينهم امرأة سورية رحلت تاركة زوجها الذي اختفت جثته تحت الردم، كما ذكرت النشاش.
رائحة الموت
وقالت إن " الشخص عندما يسير بالشارع يشم روائح كريهة للجثث المتوفاة، التي لم تتمكن طواقم الإنقاذ من الوصول إليها تحت الركام، هذا بالإضافة إلى أحياء كثيرة لم يسعفهم الإنقاذ من الحياة".
وأكدت أن المقابر أيضاً لحقها الدمار والخراب، وأصبحت الجثث أكواماً يتم التخلص منها بسرعة، لانعدام سبل الدفن وعدم اتساع القبور وكبر حجم الضحايا وأعداد القتلى.
ويملك زوج ابنة النشاش مصنعاً للزجاج في هاييتي دمره الزلزال بشكل كامل، وقدرت خسائره بحوالي مليوني دولار.
أما ابنها الذي يقطن تلك البلاد، فيعمل مديراً لمجمع تجاري على الساحل، ونجا من الموت بأعجوبة بعدما خرج مبكراً من الدوام، وفور خروجه من المجمع - المكون من أربعة طوابق- بدأ الزلزال الذي دمره بشكل كامل.
وأوضحت النشاش أن قوة الانهيار دفعت ابنها أمتاراً كانت سبباً في نجاته من الدفن تحت الركام، بعدما انهار مبنى المجمع الضخم.
كارثة ونجاة
واضطرت مارلين النشاش وعائلتها للمبيت في العراء بالليل، وحاولت الاتصال بأي شخص من أجل الوصول لإنقاذها بعدما حلت الكارثة وأصبح القتلى بعشرات الآلاف.
وقالت: "بقدرة قادر تمكنا من الاتصال بصديق لنا من الأردن، وتمكن من نقلنا في اليوم التالي إلى مركز البعثة الأردنية وتلقينا عناية كبيرة من القوات هناك، والتي قدمت لنا الخدمات اللازمة والرعاية الفائقة، وبتنا ليلة أخرى قبل نقلنا عبر طائرة ملكية للأردن".
وأشارت إلى أنه في الليلة الأولى للزلزال تعرضت العائلة لعدة هجمات بالأسلحة النارية نفذها لصوص فروا من السجن، مؤكدة أن الأمن افتقد في المنطقة بشكل لا يوصف كما سادت الفوضى العارمة.
وأعربت النشاش عن أملها باستعادة الخسائر التي فقدتها العائلة بالمنطقة، وإعادة بناء تلك البلاد "الجميلة"، لكنها أبدت تشاؤمها من سرعة إنجاز عمليات الإعمار، لأن الأضرار والدمار كانا فادحين بشكل لا يوصف.
