منذ احتلال الشق الشرقي لمدينة القدس في العام 1967 حرصت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على السيطرة على الأرض والمكان والفضاء في إطار ما يعرف بمخططات تهويد المدينة المقدسة، ولم تدّخر هذه السلطات أي أداة للوصول إلى هذا الهدف والذي وضع له عام 2020 كإطار زمني على حد أقصى ضمن ما عرف بمخطط القدس الكبرى 2020.
وكانت "الحدائق التوراتية" من أهم هذه الأدوات التي سيطرت سلطات الاحتلال من خلاله على مساحات واسعة من مدينة القدس المحتلة اختيرت بعناية بحيث تشكل سلسلة متصلة تضمن خلالها سلطات الاحتلال إنشاء طوق يسيطر على المناطق المهمة في المدينة والتي طعمت فيما بعد بالمستوطنات الإسرائيلية.
ويقول مدير مركز أبحاث الأراضي والسكن في مدينة القدس المحتلة يعقوب عودة لـ"صفا": "منذ اليوم الأول لاحتلال مدينة القدس أعلنت سلطات الاحتلال عن 54% من مساحتها أراضٍ خضراء أو مفتوحة، تسعى لتحويل جزء منها إلى "حدائق توراتية كما حلم الآباء" على حد إشارة البروتوكول الخاص بالمكان والمقدم من البلدية.
تطويق البلدة القديمة
وتنتشر هذه الحدائق في مدينة القدس المحتلة بشكل مكثف، ويجري بين الحين والأخر توسيعها وتعديل مساحاتها على حساب المساحة المتبقية للمقدسيين أصحاب الأرض الأصليين.
ففي أيار/مايو الفائت كشفت صحيفة "هآرتس" عن خطة سرية تنفذها الحكومة الإسرائيلية بالتعاون مع الجمعيات الاستيطانية لإحداث تغيير كاسح للوضع الراهن في القدس المحتلة من خلال إحاطة البلدة القديمة من القدس بـ"الحدائق التوراتية".
وتقضي الخطة التي تتولى تنفيذها ما تسمى "سلطة تطوير القدس"، بإحاطة البلدة القديمة بتسع حدائق عامة، وطرقات ومواقع سياحية.
وتهدف الخطة أيضا إلى خلق تواصل إقليمي من المواقع (التاريخية اليهودية) على حد وصف الصحيفة، وربطها بالمستوطنات الإستراتيجية حول القدس، مثل منطقةE1.
ورغم أن هذا المخطط قديم، إلا أن تنفيذه على الأرض بدأ بخطوات عملية حاليًا، فقد أعلنت بلدية الاحتلال مؤخراً عن مصادرة 660 دونما من أراضي العيسوية جنوب مدينة القدس المحتلة لصالح إنشاء إحدى هذه الحدائق.
وجاء في الإعلان أن "اللجنة المحلية للتنظيم والبناء التابعة لبلدية الاحتلال قررت تحويل ما مساحته 660 دونما لصالح إنشاء حديقة قومية للمستوطنين وإقامة مبانٍ عليها".
مدينة داوود التاريخية
الباحث في مجال الاستيطان خليل التفكجي يوضح في حديث لـ"صفا" أن هذه الحدائق تنتشر على سفوح الجبال المحيطة بالبلدة القديمة من مدينة القدس المحتلة، وتمتد هذه الحدائق من سلوان "الجنوب الغربي" وحتى جبل المشارف وجبال الزيتون في "الشمال الشرقي" من المدينة على مساحة تتجاوز الأربعة كيلو مترات".
ويتابع التفكجي أن "بناء هذه الحدائق يأتي في إطار السياسية الإسرائيلية لمصادرة الأراضي حول البلدة القديمة فيما يسمى لدى اليهود "بالحوض المقدس"، وتعد هذه الحدائق النواة الأولى لبناء مدينة داوود.
ويقول التفكجي:" إن "إسرائيل" تسعى لتكريس أنها أراضٍ دينية وادعاء أن داوود وسليمان عليهما السلام سارا فيها وعزف فيها داوود مزاميره، وبالتالي ركز الجانب الإسرائيلي على بناء الحدائق التوراتية المقدسة فيها، والاهتمام بقبور الأنبياء فيها والسيطرة عليها".
ويشدد التفكجي على أن هذه الحدائق دليل على استخدام الدين في السياسية، فـ"إسرائيل" تحاول وضع القالب الديني للحصول على مكاسب سياسية في الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من مدينة القدس التاريخية.
أخطر أساليب التهويد
وعن مخاطر هذه الحدائق يقول الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية حسن خاطر في بيان صحافي صادر عن الهيئة: "إنّ هذه السياسة ليست عفوية وإنّما هي استكمال لكل المخططات والخطوات التي نفذتها وما زالت تنفذها سلطات الاحتلال في سبيل تهويد القدس وتهجير المقدسيين".
وأشار خاطر إلى مصادرة ما تبقى من أراضي القدس لإقامة هذه الحدائق، وأن فكرة الحدائق فكرة مطاطة تستطيع سلطات الاحتلال من خلالها السيطرة على ما تشاء من الأرض وتوسيعها كيفما تشاء ومتى تشاء.
ومن خلال هذه الحدائق تتمكن سلطات الاحتلال من فصل ضواحي القدس العربية عن البلدة القديمة والمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، إضافة إلى تقطيع أوصال الضواحي وعزلها عن بعضها البعض، ومحاصرة هذه الضواحي ومنعها من التوسع لعدم الإبقاء على الأراضي اللازمة لذلك، كما يقول خاطر.
وشدد خاطر على بعد إضافي لإطلاق أسماء "حدائق توراتية" على هذا الشكل من أشكال الاستيطان والذي يهدف أساسًا إلى تعويض الفشل التام للسلطات الإسرائيلية في العثور على أية آثار يهودية في المدينة المقدسة على مدار سنوات احتلالها.
وتابع "ستكون هذه الحدائق بمثابة متاحف مليئة بنماذج وشعارات ومجسمات ورموز مما وصفته أو تحدثت عنه التوراة أو ارتبط بشخصيات دينية ورمزية من شخصيات التوراة، وهذا يعني أنّ كل ما لم يجدوه تحت الأرض سيجسدونه من خلال هذه الحدائق فوق الأرض".
