ببساطة وحرفية يجلس الحاج محمد سعيد منى (72عامًا) في محله بسوق النجادين بباب الساحة الشهير بالبلدة القديمة بنابلس، يجمع عراقة التراث وأمل الصمود لمهنته التي باتت تنحدر شيئا فشيء.
منى يتوسد جنبه الأيسر ممسكا بإبرة يخيط بها لحافا "غطاء شتوي" وعيناه تتابع حركة يديه ليرسم شكلاً هندسيًا متقنًا تتساوى فيها الزوايا والأضلع؛ فتارة يسير بإبرته بخط مستقيم بزاوية 90 درجة وتارة أخرى تسير الإبرة بزاوية حادة كأنها تعرف طريقها لتشكل لوحة فنية عند التقاء الخيوط معا على لحافا سكري تتخلله ألوانا ورسومات أخرى.
![]() |
| منى يرسم لوحته بالأبرة في سرعة ونشاط (صفا) |
وكالة "صفا" زارت سوق النجادين وتحدثت مع عماله الذين أبدو خوفهم وخشيتهم على هذه المهنة العريقة من الاندثار والانقراض بسبب التقدم التكنولوجي وإقبال المواطنين على الأغطية الجاهزة.
ويقول منى لـ"صفا": التنجيد مهنة عريقة كعراقة نابلس القديمة، وكما ترون فهذا السوق الوحيد بالمدينة الذي يوجد به المنجدين وقد افتتحت هذه الدكاكين منذ القدم لتنجيد، وبقيت صامدة رغم تطور المهنة".
توارث المهنة
ويعمل منى بهذه المهنة منذ أكثر من 45 عامًا وقد تعلمها من أخواله وكل من يعمل بهذه المهنة تعلموها وتوارثوها عن عائلاتهم ولكن أبناء اليوم يرفضون هذه الإعمال، كما يقول مني الذي تنهد ومضى يتابع "لدي ولد وحيد حاولت مرارًا أن أعلمه هذه المهنة دون جدوى وفضل أن يعمل بمهنة الهواتف الخلوية".
ويبدي منى تخوفه على مهنته قائلاً: كان هذا السوق يعمل به أكثر من أثنى عشر محلاً للتنجيد وأما اليوم لا يوجد سوى أربعة محال تنجيد تعمل بصعوبة. ويعود ذلك حسب منى إلى سببن أولها عدم رغبة الأبناء بالاستمارة في توارث هذه المهنة وثانيها يعود إلى إقبال المواطنين على الأغطية الجاهزة التي تقوم الماكينات بصناعتها بشكل سريع وبألوان وإشكال مختلفة.
ويضيف قائلا تخيل أنك تريد أن تشتري لحافًا وتأتي إلي وأقول لك احتاج ليوم أو أكثر لصناعته هل ستعود أم تذهب إلى شراء أخر من السوق الجاهزة؟!.
البيت القديم
وعن تاريخ المهنة يتحدث منى قائلا قبل عشرين عامًا كان الإقبال على التنجيد كبيرًا جدًا حيث كان يأتي أهالي الريف الفلسطيني بصوف الخراف ونقوم بندفه على ماكينة قديمة تتمثل في قوس خشبي وحبل مربوط عليا، نندف الصوف عليها، ومن ثم نفرده عل
ى القماش، ونقوم بصناعة الأغطية، ولكثرة العمل كنا نقول للزبون عد إلينا بعد شهر تجد طلبك جاهزًا.
![]() |
| منى يستعرض لحفه اليدوية (صفا) |
ويكمل منى قوله عندما كان ينوي شاب الزواج كان من أهم استعداداته تجهيز الأغطية عند المنجدين بينما اليوم الأمر مختلفا في يوم واحد يتم تجهيز كل ما يحتاج.
وإلى جانب منى ماكينة حديثة قال عنها إنها ماكينة الندف التي يقوم بندف الصوف لكي يسهل مده على الأقمشة وتعمل بالكهرباء بينما كانت تستخدم قوس خشبي يعمل يدويًا يشبه إلى حد ما الة الربابة الموسيقية.
ويستغرق صناعة لحاف واحد مدة 6 ساعات من العمل ويباع اللحاف المفرد ب80 شيكلاً (1$ =3.75 شيكل) بينما المزدوج يباع ب 140 شيكلاً في حين تتراوح قيمة الوسادة بين 20 و30 شيكلاً.
عراقة وجودة
بجوار محل منى الذي يعمل به تصطف عدة محال قديمة تعرض الأثاث المنزلي الخشبي، وتتخللها عدة محال تنجيد هي الباقية حتى اليوم صامدة.
ومتمسكُ بعمله بدا عصام بلالم الذي يقول لـ"صفا": ورثت التجنيد من والدي وأنا اليوم أعمل بها ولا يمكنني أن اتركها إلا بعد الموت هذه المهنة منها عشت وكبرت ورعيت إخواني وأولادي حتى أصبحوا رجالاً.
ويضيف "المهنة تراث قديم وعراقة وما يزال حتى اليوم من يعتم بهذه الصناعة التقليدية اليدوية واهم ما يميزها أنها يدوية ومتقنة فالغطاء الذي نصنعه يمكنه أن يخدم سنوات طويلة بينما تلاحظ الفرق في الأغطية التي تشترى حديثا لا تخدم سنوي بضع سنين".
![]() |
| منى يحمل يقوس الندف القديم (صفا) |
ومن أهم معيقات الصناعة -حسب بلالم- هو المنافسة من قبل الصناعات الجاهزة وخاصة الصينية والتركية التي أغرقت السوق بأسعار منخفضة.
تهديد البضائع الصينية
وعن القماش، يقول بلالم كنا نشتري القماش من مدينة الخليل بينما اليوم كل القماش يأتي من الصين وحتى الحشوة استبدلت من الصوف البلدي المأخوذ من الماعز إلى الصوف الجاهز الصيني.
ويرفض بلالم أن يترك المهنة أو استبدالها بمهنة أخرى، ويقول هذه المهنة حياتي وارى فيها عراقة نابلس فحفاظي عليها حفاظ على التراث والعراقة بينما أخشى أن تندثر مع الأيام وخاصة كون شباب اليوم لا يرغبون في تعلمها.
وعاني المنجدون حسب منى من ارتفاع أسعار الصوف البلدي قائلاً: الصوف البلدي أهم مقومات عملنا ولا يمكن أن نستغني عنه رغم توفر الحشوة الجاهزة المستوردة ولكن رغبات المشترين من مهنة التنجيد يبحثون عن أعمال وأغطية محشوة بصوف بلدي مأخوذ من الماعز.

.jpg)
.jpg)
.jpg)