تصر قرية الولجة الواقعة على مشارف الأراضي المحتلة عام 48 جنوب غرب بيت لحم جنوب الضفة الغربية على البقاء في موقعها، رغم مخططات الاحتلال لخلعها من ذات المكان، وتضاعف من معاناتها مخططات الإخطار والتهجير التي تستهدف الأراضي وتلاحق السكان.
فبعد تهجير الاحتلال لأهالي القرية عن أرضهم خلال النكبة، لم يستسلم سكانها للتهجير، وبنوا على مشارف بلدتهم القديمة بلدة أخرى جديدة، متحدين إجراءات الاحتلال.
وتقع القرية وسط تجمعات استيطانية بين مدينتي القدس وبيت لحم، ويبلغ عدد السكان حوالي (2150) نسمة، بينما يعيش حوالي (20) ألفاً آخرين في الشتات، وتقطنها أربع عائلات.
واضطر المواطنون بعد الهجمة الاستيطانية إلى السكن في أراضٍ تابعة للقرية لم يستطع الاحتلال ضمها إلى مستوطناته، مختارين مناطق جبلية صعبة السكن والحياة على تركها فريسة للاحتلال ومستوطنيه.
شارع يتيم
وحينما زرنا تلك القرية، بحثنا عن الشارع المؤدي إليها، لنجده يتيماً ومحاطاً بالكتل الاستيطانية، ويمر بمحاذاة تجمعات سكنية للمستوطنين مقامة شرقي القرية بالقرب من مدينة بيت جالا غرب بيت لحم.
وبيِّن رئيس مجلس محلي القرية صالح خليفة لوكالة "صفا" أن السكان عادوا إلى منطقة قريبة تطل على القرية المحتلة أثناء الحكم الأردني في ستينيات القرن الماضي، لافتا إلى أن جميع سكانها لاجئون.
وأوضح أن القرية قسمت في الخرائط الإسرائيلية إلى جزأين، جزء يتبع محافظة القدس ويحظر على أصحاب تلك الأرض بموجبه البناء، ويقيم عليها خليفة المخطر منزله بالهدم، والثاني يتبع بيت لحم ومصنف ضمن منطقة (جـ)، والتي يقيم عليها أغلب السكان.
وتعتبر أغلب أراضي القرية جبلية ووعرة اضطر سكانها إلى اللجوء إليها آملين بالرجوع يوماً إلى أرضهم، التي تقابلهم من الغرب والشمال، والتي تقام عليها مستوطنات يهودية تمتد نحو أراضي اللجوء.
وأوضح خليفة أن الاحتلال ألحق أراضي القرية بأراضي القدس، وبنى عليها عشرات الأحياء الاستيطانية، فيما يقع حي المالحة المحتل على شمال القرية، فضلاً عن حديقة للحيوانات وشارع استيطاني (شارع 60) الذي يعد عصب القدس للجنوب وحاجز عسكري وسكة حديد تفصلها عن أراضيها التابعة للقدس.
أما بالنسبة لمياه القرية، تعد الأودية الشمالية الغربية للبلدة خزانات كبرى للمياه الجوفية، حيث أكد خليفة أن الاحتلال سرقها من خلال آبار ومضخات ونقلها لأحياء المستوطنين في القدس والمستوطنات حولها.
وأشار إلى آثار مدرسة للقرية هدمها الاحتلال وصادر مئات الدونمات من الأراضي حولها، منوهاً إلى أن الاحتلال هدم كامل القرية ومسجدها عام 1956 وأزالها عن الخارطة وهجر من تبقى من سكانها.
وشيدت وكالة الغوث الدولية مدرسة في القرية وتعاون الأهالي لبناء مدرسة أخرى على حسابهم، فيما لا تتوفر حتى اللحظة مدرسة ثانوية لأبنائهم، ويضطرون للذهاب إلى مسافات بعيدة للدراسة، في وقت تنعدم فيه كذلك المراكز الطبية من القرية.
وأشار إلى أن محاصيل الأشجار في المنطقة الملحقة بأراضي 48، فإن أصحابها يضطرون للتسلل إليها والاستفادة من ثمارها، بدلاً من جنيها على الملأ خشية ملاحقة الاحتلال لكل من يضبط في أرضه، باعتباره متسللاً غير قانوني لحدود "إسرائيل".
وإزاء ذلك، يُضطر المواطنون هناك إلى حصد محاصيل أراضيهم الزراعية التي تمنعهم سلطات الاحتلال من الوصول إليها بشكل سريّ، كما يحرم الاحتلال المواطنين من الاستفادة من ثلاثة عيون تقع في أراضيهم.
خطة استيلاء
وأعلنت سلطات الاحتلال قبل حوالي شهر ونصف عن خطة للاستيلاء على 3000 دونم جديدة من أراضي القرية، من أصل 7000 ألف دونم متبقية من أراضيها، لبناء 14 ألف وحدة سكنية استيطانية.
وأشار خليفة إلى أن المنطقة المنوي مصادرتها تقع في مناطق (أحمد والناطوف ورأس الحنية) المطلة على القدس المحتلة، وستلحق بمستوطناته هناك، مضيفاً أن ذلك سيبقي في القرية حوالي أربعة آلاف دونم فقط.
وكانت شركات إسرائيلية زرعت قبل حوالي ثلاث سنوات آلاف الأشجار في المناطق المصادرة، وخلع الأهالي كافة هذه الأشجار بجهد شعبي.
ونوَّه خليفة إلى أن المستوطنين اليهود حاولوا الاستيلاء على حوالي 80 دونماً بالقوة، تمت إعادتها بعد استصدار الأهالي أمر قضائي بمنع دخول اليهود إليها.
ويستعد سكان القرية لاستصدار أوامر قضائية ضد قرارات المصادرة الجديدة، حيث بدأوا بتحضير أوراقهم الثبوتية لخوض معركتهم القانونية مع الاحتلال تضاف لتلك الميدانية التي يخوضونها منذ عشرات السنين.
ويُعرب المواطنون في البلدة عن تخوفهم الشديد من تهجيرهم مجدداً بعد عمليات التضييق والترحيل، في وقت تلتهم الخطة الأخيرة حوالي نصف القرية المتبقي.
من جانبه، أكد المواطن صلاح أبو علي - الذي يرعى أقدم زيتونة في العالم مزروعة في أراضي القرية ويحافظ عليها- أن الاحتلال يستهدف موقع القرية الإستراتيجي.
وذكر أن هذا الاستهداف المتواصل يأتي كذلك لموقع "الولجة" القريب من المستوطنات ومن مدينة القدس المحتلة، كما تم تسليم السكان أكثر من مرة إخطارات، وخاصة لهدم منازل قيد الإنشاء، وتجاوز ذلك بهدمه لمنازل أخرى بحجة منع البناء في القرية.
ويُشير شاب من عائلة عبد ربه إلى أن الاحتلال يتدخل كثيراً في أعمال البناء، موضحاً أنه تدخل في شق أحد الطرق، ووضع الكثير من العلامات على الجدران لا يعلم المواطنون مغزاها، لكنهم يتوقعون بأنها علامات للمصادرة.
ويقول الشاب متألماً: "نتوقع بين الفينة والأخرى قدوم قوات الاحتلال لطردنا من قريتنا".
