استذكر المواطن رياض غنًام (58 عامًا) بينما كان يزود مولده الصغير بالوقود ما كان يردده العراقيون طوال ساعات عملهم في النهار أثناء عيشه في العاصمة بغداد "انقطعت الوطنية..شغــّل المولدة..عادت الوطنية..طفي المولدة."
عبارات تشير إلى التيار الكهربائي الحكومي المزود لمدينة بغداد والمولدات الصغيرة والأهلية التي كانت تنتظر تشغيلها بعد فصل التيار الحكومي، ليعم ضجيج يدفعك عادةً للتحدث بصوتٍ عالٍ.
يقول غنًام الذي يستأجر محلاً لبيع الأدوات الكهربائية في وسط مدينة غزة القديمة وقد اتشحت كلتا يديه المجعدتين بالسواد بعد أن نجح بإنارة الطابق العلوي لمتجره "أشعر أنني أعاود نفس تلك الأجواء التي عشتها مع الشعب العراقي أيام الحصار الذي استمر 13 عاماً بعد اجتياح الكويت".
ويتابع "لقد كانت من أكثر الدول العربية التي زرتها إزعاجًا، وهو ذاته يتكرر الآن"، ويعلق ساخراً "آمل ألا يكون حصارنا لـ13 عاماً مماثلة".
ويشير أثناء حديثه إلى فتيات دخلن المتجر، لكنهن سرعان ما استدرن بعد أن شعرن بظلمة المكان، ويقول "لا جدوى من مناداتهن ثانيةً، فهن يرغبن بشراء جهازٍ كهربائي لن أتمكن من تجربته لانقطاع التيار الكهربائي، لكنني آمل أن يعدن ثانيةً".
ويغرق قطاع غزة بعد أقل من 24 ساعة في ظلام كامل إذا لم يدخل السولار اليوم ، الأمر الذي يهدد جميع الخدمات الحياتية في القطاع بما فيها الصحية ومياه الصرف الصحي، لتعود معاناة السكان مع أزمة انقطاع التيار الكهربائي وسماع أصوات المولدات الكهربائية لساعات طويلة مجددا خلال الليل والنهار.
وأعلنت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية بغزة أنها ستوقف محطة التوليد للمولد المتبقي الكامل صباح غدٍ الخميس في حال عدم وصول كميات جديدة من الوقود.
لست بحاجة للكهرباء
ويتابع "رغم أنني ألتزم شهرياً بسداد فاتورة الكهرباء وأتجنب تراكمها، إلا أنني أفكر جدياً بعدم الالتزام؛ ليس انتقاماً من شركة الكهرباء، لكنه شعور أي مواطن عندما يدفع ثمن شيء فإنه ينتظر مقابله، لذلك أفضل أن أنفقها على أولادي في الجامعة كرسومٍ للفصل القادم، وبصراحة لم أعد بحاجة إلى الكهرباء".
ونزولاً باتجاه حي الشجاعية المكتظ بالسكان والواقع إلى الشرق من قطاع غزة، وقف طبيب الأسنان أنور العجلة (46 عامًا) يُطل من شرفة عيادته ممسكاً بمسبحة، يظن من يراه أنه لا يكترث لمراجعيه اليوميين.
يقول الطبيب العجلة إنه سئم كثيراً من تواصل انقطاع التيار الكهربائي وتناقص عدد المراجعين، ويتابع "كما ترى فإن العديد من النسوة حملن أطفالهن عائدات إلى منازلهن على أمل الحضور غداً، كما أنني غير مقتدر على شراء مولدٍ كبير نسبياً لتشغيل العيادة بأكملها مع كراسي علاج الأسنان التي تحتاج طاقة أكبر مما تبذله المولدات الصغيرة".
ويضيف باستياء "كثيرا ما أضطر إلى العمل يدوياً في علاج أحد المراجعين عند انقطاع الكهرباء، فلا يكون أمامي خيار إلا بالتنظيف اليدوي وإعطاء المريض مزيداً من جرعات التسكين لساعات، لكنه لا يلبث أن يعاود الألم ثانيةً وقد يتسبب بمضاعفات أو التهابات يكون المريض في غنىً عنها، والمتهم طبعاً عبارة "لا يوجد كهرباء".
وإلى الشمال من مدينة غزة، بدا متجرٌ لبيع المعجنات في أحد الشوارع الفرعية الصغيرة بحي النصر مغلقاً رغم أن لوحة المحل التي تعتلي سقفه ما زالت تحتفظ برونقها، ويوحي أنه افتتح حديثاً.
يؤكد تلك الشكوك التاجر الشاب محمد النجار (28 عامًا) قائلاً بالمثل المحلي "لو فيها كاز لأضاءت" يقصد جاره الذي اضطر لإقفال متجره "حتى إشعارٍ آخر" بعدما فشل في الاعتماد على التيار الكهربائي المتكرر القطع في إيقاد فرنه، كما أنه لم يعد قادراً على ملء اسطوانات الغاز للخبز التي أصبحت تكلفه مبلغاً كبيراً ووقتاً طويلاً لاستلامها من جهة التعبئة.
المولدات
وكان خيار الاعتماد على المولدات الصغيرة هو أسوأ حلٍ يمكن الاعتماد عليه كبديلٍ لمشكلة الطاقة والانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، خصوصاً مع تزايد ساعات الانقطاع بسبب النقص الحاد في كميات الوقود المدخلة من السلطات الإسرائيلية.
فعدا عن الضجيج اليومي المزعج الذي تسببه المولدات طوال ساعات النهار والليل، وخطورة العمل بها مع تزايد حوادث الحروق وانفجار تلك المولدات نتيجة جهل استخدامها، فإن التكلفة الاقتصادية لها يفوق الميزانية التي يخصصها المواطنون لاقتنائها وصيانتها لاعتمادها بديلاً.
ويمثل تقليص إدخال السولار الصناعي لغزة عقابا جماعيا للسكان، ويزيد من مأساة الحصار المفروض عليها، فيما تبقى مسؤولية توريد إمدادات الطاقة لغزة مسؤولية إنسانية يجب أن تتضافر كافة الجهات من منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والعالم أجمع من أجل توفيرها.
