لم تشفع الأزمة المالية العالمية التي عصفت ببلدان العالم منذ أكثر من عام لمائة ألف فلسطيني يعملون في الإمارات العربية المتحدة -غالبيتهم في إمارة دبي- بحثا عن لقمة العيش بعد أن ضاقت عليهم الحال في فلسطين أسوة بملايين آخرين من دول العالم يعملون في الإمارات.
وبعد أن عصفت الأزمة المالية العالمية بكل دول العالم؛ وعانت منها بشكل خاص دولة الإمارات بشكل مختلف عن باقي دول الخليج بحكم الطفرة العمرانية التي شهدتها وارتكازها على قطاع العقارات خلال العقد الأخير وما أصاب هذا القطاع من انتكاسات متتابعة خسر كثير من الفلسطينيين وظائفهم وبات مئات آخرون مهددين بالترحيل.
لا دولة لهم
الشاب محمد سليم من جنين والذي يعمل في سوق الأوراق المالية في أبو ظبي يقول: "مشكلة الفلسطينيين خلال الأزمة الحالية التي تشهدها دبي مضاعفة، فكثيرٌ من العاملين الأجانب الذين فقدوا وظائفهم عادوا إلى دولهم، ولكن الفلسطينيين لا دولة لهم".
ويضيف "تكون المشكلة أكثر تعقيدا للفلسطينيين من قطاع غزة، فهؤلاء يتحرَّكون بالوثيقة المصرية وعودتهم لقطاع غزة في ظل ما يشهده من حصار خانق يعني القضاء على حياتهم، أعرف فلسطينيا من قطاع غزة خسر وظيفته بعد ثلاثين عامًا في الخدمة، كما خسر كل مدَّخراته في السوق المالي وأولاده في الجامعات ولا يعرف ماذا يفعل".
وعرف عام 2009 بأنه صاحب أشهر أزمة عالمية منذ ثلاثينات القرن الماضي ساهم في تأجيج تداعياتها مشاكل الرهن العقاري فضلا عن السياسات الخاطئة للرؤساء التنفيذيين لكبرى الشركات في العالم مما أدى إلى عدم استقرار الأوضاع المالية وبالتالي حدوث خلخلة في الأداء ومن ثم السقوط في بئر الانهيار الذي أحدث دويا هائلا في العالم.
ويؤكِد سليم أن هذا حال كثيرين، فالحقوق المدنية لا تمنح سوى لحملة الجنسية الإماراتية، أما المغتربون فحالهم صعب للغاية في هذه الظروف والكل يضع يده على قلبه كلما تجلت إحدى تداعيات الأزمة المالية في دبي كما حدث قبل شهرين.
ويستذكر حادثة قبل عام ونصف قائلا: "في بداية الأزمة أبلغت الشركات آلاف الموظفين العاملين في القطاع المالي بتسريحهم من العمل؛ حيث جلسنا مع بعضنا نحن الفلسطينيين العاملين في هذا المجال استعدادا لحزم حقائبنا، ولكن الفرج جاء في اليوم التالي مباشرة".
ويشير إلى أن "البنك المركزي الإماراتي ضخّ عشرة مليارات دولار في البنوك فأنقذ المؤسسات المالية فألغيت قرارات التفنيش، واليوم عادت الأزمة من جديد بعد فقاعة ديون شركة دبي العالمية التي بدأت قبل شهرين".
ويؤكد الفلسطيني شادي أبو حسن مدير الحراسات في شركة مقاولات في دبي أنه لم يعد أي نوع من الاستقرار لدى الفلسطينيين في دبي، ونحن نتوقع ترحيلنا في أي وقت؛ كثيرون خسروا أعمالهم وهم اليوم يجددون تأشيرات سياحة بدل إقامة على أمل إيجاد فرص عمل جديدة لأن ما ينتظرهم في فلسطين انعدام كامل لأفق العمل" كما قال.
التحويلات المالية تأثرت
ويقول خالد نصار وهو مدير شركة صرافة: "إن هناك انخفاضا ملحوظا في حجم التحويلات المالية للفلسطينيين المغتربين في الإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص بعد الأزمة المالية العالمية".
ويرى نصار أن كثيرا من العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تعتمد بشكل شبه كامل على التحويلات المالية لأبنائها المغتربين، مما يعني ضررا بالغا بهذه الشريحة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي نعاني منها.
ويعزو المغترب أبو حسن شح التحويلات في العام الأخير بالظروف القاهرة التي يعيشها الفلسطينيون في دبي تحديدا، ويقول: "بعد الانهيارات المالية أصبح قسم بلا عمل، وقسم يعمل في وظائف بمواصفات متدنية والمهم لديه ألا يخسر إقامته ويعود أدراجه أملا في تحسن الوضع مستقبلا كما أن قسما آخر يعمل في وظيفة جزئية".
ويتابع "كثير من الشباب الفلسطيني العامل في دبي هذه الأيام يعمل ليأكل ويشرب فقط وليس لديه خيار آخر، فعلى سبيل المثال الأجرة السنوية لغرفة ومطبخ في دبي لا تقل اليوم عن 45 ألف درهما علما أنها كانت قبل عام 75 ألفا".
ويشير أبو حسن إلى أن الدولة تسعى لغض الطرف عن إقامات الفلسطينيين وتتعامل بمرونة معهم بشكل مختلف عن رعايا باقي الدول، ولكن تبقى القضية الأساسية هي فرص العمل.
أوجه أخرى للأزمة
ويرى المحلل الاقتصادي والمحاضر في جامعة بيرزيت نصر عبد الكريم أن التأثير الأول على الاقتصاد الفلسطيني في حال تفاقمت الأزمة يتمثل في الاستغناء عن الأيدي العاملة الفلسطينية في الإمارات؛ بالتالي تفقد العديد من الأسر الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية مصدر إعالتها وهذه هي المشكلة الكبرى.
ويضيف "إن قسما من العمالة الفلسطينية في الإمارات تحتل مواقع متقدمة إدارية ومهنية ووظائف مكتبية ولهذا السبب قد تكون آخر شريحة يطولها الاستغناء في حال تفاقم الأزمة ولكن ذلك لا يخفف من حجم معاناة العاملين في الإمارات".
ونوَّه إلى جانب آخر لأزمة دبي التي قد تؤثر على الاقتصاد الفلسطيني وتتمثل -حسب قوله- في مساهمات رجال الأعمال الفلسطينيين في سوق دبي المالي بعد الخسائر التي تكبدوها في سوقي فلسطين وعمان.
وقال: "شهدت الشهور الأخيرة تحول كثير من أصحاب رؤوس الأموال نحو الاستثمار في بورصة دبي بعد الانخفاض الكبير في أسعار الأسهم، وهذا أدى إلى ضخ مئات الملايين من الدولارات من فلسطين في هذا السوق قبل ظهور أزمة ديون دبي".
وبالرغم من كل ذلك يميل عبد الكريم إلى أن يكون تأثير الأزمة المالية في دبي على الاقتصاد الفلسطيني محدودا، ويستطرد "أعتقد أن الأزمة الاقتصادية في دبي هي أزمة عابرة وسيتم تجاوزها كما تم تجاوز كثير من الأزمات خلال العامين الأخيرين".
