حي الشجاعية (غزة) - هاني الشاعر- صفا
رجل عجوز يرتدي ملابس مُترهلة ويُمسك بيده "عكازًا" خشبيًا يتكئ عليه، وبجواره زوجته المُسنة، فيما يسير الأبناء من خلفهم، وإلى جانبهم امرأة تحمل طفلاً على صدرها تارة وتُمسكه بيدها تارة أخرى، وتسير بجوارها فتاة في مُقتبل العمر، وبدا عليهم التعب والإرهاق الشديدين. مشهدٌ لعائلة فلسطينية نزحت وتركت منزلها قصرًا تحت وطأة القصف البري والجوي الإسرائيلي كمئات العائلات التي نزحت لنفس السبب من حي الشجاعية شرق مدينة غزة خلال العدوان على قطاع غزة، وعادت فلم تجد الحي الذي تعيش فيه لأن البطش الإسرائيلي حوله لركام. هذا الواقع المرير لتلك العائلة المكلومة جسده بشكل دقيق الفنان إياد صباح المحاضر في كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصى، عبر مجسمات غير مألوفة كثيرًا لدى كثير من الفنانين، مصنوعة من مادة "فيبر جلاس" والطين الأحمر وشوالات فارغة. ووضع الفنان صباح تلك العائلة المصنوعة من مُجسمات وعددها سبعة أفراد، في أرض فارغة كانت مسرح لعمليات الجيش الإسرائيلي مقابل منازل مُدمرة وسط حي ارتكب به العديد من المجازر بالشجاعية، الذي تعرض لأبشع المجازر خلال العدوان، ما أدى لارتقاء عشرات الشهداء وتدمير مئات المنازل. [title]أبعاد الفكرة[/title] واختار الفنان المكان، لكثير من الدلالات، كونه كان شاهدًا على نزوح مئات العوائل التي تركت منازلها، من بينها تلك العائلة التي يُجسدها بعمله الفني المُثير، والغريب من نوعه، والذي حاز على إعجاب سكان الحي المُدمر، حتى أنهم اعتقدوا أن الفنان عايش تلك اللحظات، لنجاحه بتصميم مشهد نزوح العائلة بشكل دقيق. ويقول الفنان صباح لـمراسل وكالة "صفا": "إن الفكرة جاءت من واقع الحياة التي عاشها سكان المناطق المُدمرة، فلم تتعرض البيوت وحدها للتدمير، بل البشر أيضًا، وإن كانت تظهر هياكل من خارجها ومتماسكة، لكنها من الداخل مُحطمة نفسيًا ومعنويًا". ويضيف "كثير منا أصبح مجرد هياكل بداخلها فارغ وإن بدت متماسكة، ومن هذا المُنطلق كانت نواة الفكرة، بتصميم هياكل من مادة "الفيبر جلاس" التي تعطي صلابة في الوقوف، ودهانة الطين على جسده لقربه من لون الإنسان، وشوالات يرتديها كملابس، ومن داخل وخلف المُجسم فارغ، وهذه دلالة على هدف الفكرة التي قمت بها". ويتابع صباح "الواقع الذي عاشه الناس جعلنا نفكر في عودة الناس، ورصد جزء من حركتها ونزوحها خلال العدوان، فالعائلة التي قمت بتصميمها، ليست فقط مُجسمات واقفة، بل تشعر بأنهم يتحركون، كتجسيد حي لحركة النزوح وواقع تلك المرحلة خلال وبعد العدوان الإسرائيلي". وحرص الفنان من خلال تصميم المُجسمات أو الهياكل على إبراز الشخصيات منهكة متعبة، وتشعر بالصدمة من خلال خفض رأسها أو ملامح وجهها الحزينة. [title]الكينونة الإنسانية[/title] ولفت صباح إلى أن "كثيرًا من المواطنين لم يعودوا يشعرون بالأمان بعد ما حدث من قتل وجرائم، وفقدوا كينونتهم الإنسانية، وفقدوا تماسكهم الحقيقي، ويمرون بأزمات إما مالية أو معنوية أو نفسية حقيقية، خاصة النساء والأطفال بعد العدوان الذي استمر 51يومًا". وأشار إلى أن فكرته استغرقت شهرًا حتى أصبحت جاهزة، وبجهد ذاتي، دون تمويل من أي جهة، واختار الفضاء والطلق والميدان بمنطقة مدمرة أو على ساحل البحر، بدلاً من العروض التي تُقدم داخل معارض مُغلقة. وبين صباح إلى أن العائلة التي اختارها تضم المسن والمسنة العجوز والشاب المتعلم والمرأة والطفل، وهذا تقريبًا يمثل كافة الفئات العمرية في المجتمع، كي يعطي تصويرًا للمجتمع بكافة معطياته، كما اختار لباسًا شعبيًا يدل على الحالة التي مروا بها وقتها. واستدرك "كنت متخوف أن تكون ردت فعل الناس سلبية عندما يشاهدونها بالمنطقة المدمرة في حي الشجاعية، فتفاجأت بتعاطي الناس وتشجيعهم ومساعدتهم لي لإقامة تلك المُجسمات، والكل شعر بأن ما حدث معه فعلاً هكذا، وكأن الفنان عايش تلك اللحظات". ونوه الفنان صباح إلى أن الرسالة من وراء هذا العمل المُسمى عالميًا بـ "الأعمال التركيبية" هي فضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي، التي ارتكبت في قطاع غزة، خاصة في حي الشجاعية، والحديث عن الدمار من جانب آخر وهو "دمار الإنسان" سيما الأطفال الذين لم يناموا بفعل ما تعرضوا له وشاهدوه.
