خان يونس- هاني الشاعر- صفا
شكلت مُآثرة بعض سكان بلدة خزاعة الحدودية المدمرة شرق محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة ذبح الأضاحي حالة من الفرح المحدود رغم النكبة التي حلّت بهم، جراء العدوان الإسرائيلي الذي طال كل جزء فيها، وخلف عدد كبيرًا من الشهداء والجرحى والمعتقلين، والمنازل المدمرة. وتحولت بعض شوارع البلدة للون الأحمر بفعل دماء الأضاحي، التي ذبحها بعض من سكانها، الذين أثروا أن يفرحوا مع نسائهم وأطفالهم وجيرانهم، الذين طالهم جميعًا الضرر الجسدي والنفسي، وعلقت تلك الأضاحي على "خطافات" حديدية فوق ركام المنازل المدمرة، وعلى أبواب المنازل المدمرة جزئيًا. وفاحت رائحة لحوح الأضاحي في بعض الشوارع والأزقة داخل البلدة، وجرفت دمائها روائح الموت التي كانت عالقة بكل مكان، ورائحة البارود التي كانت تنبعث من كل زقاق داخلها، لتتعالى على الجراح والمعاناة وتبعث فرحةً خجولة في نفوس السكان الذي عاشوا 51 يومًا من العدوان. [title]نحاول الفرح[/title] هيثم قديح (34عامًا) شقيق الشهيد محمد الذي ارتقى خلال العدوان الأخير على البلدة يمُسك بيده سكينًا استنها جيدًا، ويقوم بتقطيع أجزاء من الأضحية، وسط طريق مدمر ومنازل تم تجريفها في حي أبو رجيلة وسط البلدة، ويظهر ابتسامة خفيفة أثناء عمله وهو يتحدث مع شركائه بالأضحية. ويقول قديح لـ مراسل وكالة "صفا" : "بصراحة لم نشعر بفرحة كما كل عام، لكن هذه الأضحية سنة مؤكدة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا بد من تأديتها، رغم ما أصابنا من جرح لاستشهاد شقيقي، وعدد من أقربائي، وأبناء البلدة، والكم الكبير جدًا من الخراب والدمار". ويضيف "لم ننس بعد ما حدث ولا يمكن أن ننسى، لكن هذه سنة الحياة، ولا بد أن نحاول بكافة السبل أن نفرح، والأضحية بكل تأكيد هي الوسيلة الرئيسية ومبعث ومصدر الفرحة في العيد، من غيرها لا وجود لفرحة، بجانب الزيارات التي نقوم بها للفقراء وللأقرباء والأرحام". ويشدد قديح "ما هذه الأضاحي سوى رسالة صبر وصمود وحياة من قلب البلدة، التي راهن الاحتلال الإسرائيلي على تهجيرنا منها، من خلال ما فعله من عدوان شرس لم يسبق له مثيل، وبأننا لن نخرج منها مهما حدث، ونوجه رسالة للكيان ولكل المتأمرين علينا أننا سنفرح ونضحي رغم الحصار والدمار والقتل وكل ما يُحاك ضدنا". أما حسام أبو روك (31 عامًا) صاحب منزل مكون من ثلاثة طوابق دُمر بالكامل خلال العدوان، فيقول لـ مراسل "صفا": "رغم أننا ما زلنا مشتتين إلى أننا أثرنا أن نُضحي، إحياءً لسنة المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، وهي بمثابة رسالة صمود، رغم الدمار والخراب وهدم المنازل والشهداء". ويشير أبو روك إلى أن الفرحة ما زالت منقوصة وكثير من المنازل لم يدخلها الفرح أساسًا ولم تشعر بالعيد، كون جراحها لم تندمل بعد، "لكن ذبح الأضاحي بهذا اليوم، رغم ضيق الحال وقلة الإمكانيات، أدخل الفرحة لو بشكل محدود لقلب البلدة المدمرة، ونتمنى بأن يأتي العيد القادم وقد تم إعمار منازلنا وحل السلام العادل". [title]أضحية رغم التشتت[/title] وعلى بعد عشرات الأمتار، وبأحد الشوارع المدمرة بالكامل منازله، علّق مهدي قديح (59 عامًا) خاروف العيد على "خطاف" حديد على مدخل منزله المُحترق بالكامل، بفعل القصف المدفعي الذي تعرض له خلال العدوان، ويتجمع من حوله أطفاله وأبنائه الذين يعاونونه وعدد من أطفال ونساء الحي الذي يعيش فيه. ويوضح قديح أنهم ضحوا هذا العام اقتفاءً بسنة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) والتقرب إلى الله عز وجل بها، وإدخال الفرحة على قلوب الأطفال والنساء رغم التشتت الذي نعيشه بفعل تدمير المنزل. ويبين "صحيح الدمار وما حدث للمنزل وللبلدة أثر على نفوسنا كثيرًا، لكن الدين شيء وما حدث شيء أخر، بل من الدين الصبر والثبات والاحتساب على المصيبة، فذلك له أجر كبير عند الله عز وجل، وبالتالي نحن اليوم ضحينا هذا الخروف، وسنوزعه على الفقراء من أهالي الحي والجيران والأرحام والبقية للأسرة". واستدرك قديح "لنّ نُبالغ ونقول أننا نشعر بالفرحة، لكن نحاول أن نشعر أطفالنا على الأقل بها ونتأقلم مع الواقع، ولا نجعلهم يشعروا بما مررنا به، نتيجة العدوان، فهم أطفال ومن حقهم أن يفرحوا ويعيشوا حياتهم، فليس لهم ذنب سوى أنهم ولدوا في ظل واقع مؤلم، وحضروا ثلاثة حروب بغضون سبع سنوات". ويضيف "رغم ثِقل هذا العيد كما عيد الفطر الذي أتى والعدوان متواصل ونحن مُشردين، إلا أننا سنبقى هنا صابرين صامدين، ونتمنى أن يعود كل ما كان للبلدة كما السابق". أما رسمي النجار (65 عامًا) صاحب منزل مدمر بحي النجار في البلدة، وقف متفرجًا على الأضحية الوحيدة بمنطقتهم، في محاولة منه لتناسي مآسي العدوان، ويشارك أقربائه وجيرانه الفرحة، ويقول: "نشعر بفرحة رغم ما حدث، لكن أملنا بمستقبل أجمل، يندحر الاحتلال خلاله، وتحرر الأرض والمقدسات". وتعرضت خزاعة خلال العدوان البري لمجزرة بشعة، أدت لاستشهاد العشرات من أبناء البلدة، وإصابة المئات، واعتقال ستة آخرين، بعد أن تعرضت لوابل من قصف الدبابات والطائرات، قبل أن تدخلها القوات الإسرائيلية الراجلة والمحمولة، وتفرض حصارًا عليها لأكثر من أسبوعين. ونفذت قوات الاحتلال خلال حصار البلدة، اعدامات ميدانية (حسب روايات السكان)، واستخدمت السكان دروعًا بشرية، وهجّرت معظم السكان لخارجها، وهدمت عشرات المنازل بشكل كلي، والمئات بشكل جزئي، وجرفت مساحات واسعة من أراضي البلدة.
