رفح – خـاص صفا
ملابس مُترهلة وممتلئة بالأوساخ والشوائب، ولحية وشعر رأس طويل، وكيس أسود صغير به القليل من الأمتعة، هذه هي حالة الشاب "م.س" البالغ من العمر (28عامًا) من سكان شمالي قطاع غزة، المُفرج عنه للتو من السجون المصرية، بعد أن تم إلقاء القبض عليه، أثناء محاولته الهجرة لأوروبا في عرض البحر قبالة مدينة الإسكندرية. ولم يقتصر هذا الوصف على الشاب "س" بل على نحو "60شخصًا" تتراوح أعمارهم ما بين 12 عامًا حتى 55عامًا، وصلوا القطاع مساء أمس الثلاثاء، بعد الإفراج عنهم من السجون المصرية، بعد اعتقالهم بتهم العبور لمصر بطرق غير شرعية. وبدا واضحا على معظم المُفرج عنهم أنهم عاشوا أوضاعًا صعبة جدًا داخل وخارج السجون المصرية، من خلال ملابسهم المُترهلة التي لم يستبدلوها طيلة فترت الاعتقال والتي سبقتها، كذلك أجسادهم ووجوههم وأعينهم التي أرهقتها قلة النوم والتعب وتناول الطعام، ومشقة وعذابات الترحيل والتحقيقات بالسجون. وقدمت الشرطة الفلسطينية في رفح لهم وجبات طعام سريعة ومشروبات، وأحضرت طاقم طب من الخدمات الطبية، لفحصهم والاطمئنان على صحتهم، بعد أن أجرت تحقيقات معهم، حول ظروف وكيفية اعتقالهم، ومن يقف خلف تهريبهم، والطرق التي سلكوها قبل إلقاء القبض عليهم.. [title]بعت ذهب زوجتي[/title] الشاب "س" الأب لثلاثة أطفال ويعمل بمجال الزراعة يقول لمراسل وكالة "صفا": "بعت ذهب زوجتي واستدنت مبلغا أخر، كي أسلمه للشخص الذي سيقوم بتهريبنا لخارج غزة، بهدف الهجرة لدول أوروبا، كما حدث مع كثير من الشباب من قبلي". وأضاف "دفعت المبلغ، وسلمت جواز سفري، وأتاني بعد ساعات عليه ختم عبور مصر، وانتظرت اتصالا هاتفيا من أشخاص سيقومون بنقلي ومعي عدد من أقربائي والجيران لمدينة رفح، ومن ثم للنفق، وبعدها للأراضي المصرية، حتى وصلنا لمدينة العريش، ونزلنا في إحدى الشقق، التي أوصلنا لها مهربون". وتابع "بعدها انتظرنا اتصال مهرب يُدعى (ع.ع)، لينقلنا بسيارته لمدينة الإسكندرية، وما إن وصلنا نزلنا بشقق بها مئات ممن يرغبون بالهجرة من غزة، وسوريا، والعراق، والصومال، ومصر، والسودان، وجزر القمر..". واستطرد "انتظرنا أياما حتى يأتي الاتصال للتحرك نحو البحر، حتى تم نقلنا عبر (ميكرو باص) يتسع لنحو 50شخصًا، وتم إنزالنا باستراحة ومعنا أصحاب الباصات، وهم مندوبون لدى المهربين، خاصة المهربين الكبيرين (أ.س) و (أ.ح)". وواصل "س" حديثه "ما إن وصلنا الشاطئ ركضنا سريعًا نحو قارب (حسكة) لينقلنا لداخل البحر وعلى متنه ما لا يقل عن 30شخصًا، وقام بعد نحو ساعتين بإيصالنا لمركب أكبر حجمًا متوقف في عرض البحر، ومنه إلى مركب أخر مخصص للإبحار ونقلنا لإيطاليا، وكان على متنه المئات". وأكمل "توقفت السفينة في البحر، ومكثنا يومين دون أكل ولا ماء، كذلك بدأت المياه تدخل للسفينة التي تحمل مئات المهاجرين منهم نحو (150شخصا) من غزة، وبدأنا بنقل الماء بالجالونات وإعادته للبحر، حتى أتت البحرية المصرية، وألقت القبض علينا، وشعرنا أنفسنا أنه تم تسليمنا بتواطؤ من المهربين". وأمضى "تم نقلنا لسجن (ثاني المنتزه) بالإسكندرية، وعشنا أوضاعا صعبة جدًا، وكنا مُتكدسين فوق بعضنا البعض، وكل شيء داخل السجن يتم مقابل مبالغ مالية، والأكل والماء رديء جدًا (..)، حتى تم ترحيلنا لغزة، ووصلنا، ونشعر بندم شديد، لأننا فكرنا أساسًا بيوم أن نتركها، فنارها أفضل من جنة أوروبا ومصر وغيرها..!". [title]نشعر بالندم[/title] ولا يختلف الحال كثيرًا بالنسبة للشاب "م.ر" البالغ من العمر "22عامًا" من معسكر الشاطئ غربي مدينة غزة، عن الشاب "س"، فهو الأخر تقاسم المعاناة مع نحو 200معتقل ويزيد كانوا فريسة للمهربين، وللموت بأي بكل لحظة، بعد أن خرجوا من غزة، عبر الأنفاق. وقال "ر" لمراسل "صفا": "أشعر بندم شديد لأنني فكرت يومًا بالخروج من بلدي فلسطين، فكنت واهم بما كنت اسمعه عن الهجرة لأوروبا، والمهربون وأعوانهم أوهمونا بتلك الرحلة، لكن وجدنا عكس ذلك، من موت محدق بكل خطوة نخطوها سواء على اليابسة أو الماء في عرض المتوسط". ولفت إلى أن الطريق أمامهم ليست معبدة بالورود كما كانوا يتصورن، فرحلة الوصول لأوروبا على حساب حياة كل مهاجر، وقال: "عندما وصلنا الإسكندرية برفقتي 12شخصًا من الأصدقاء، ودفع كل واحد منا أكثر من 2000دولار أمريكي (نصف المبلغ) للمسئولين عن التهريب، عدا أجرة النفق، كانت معاناة كبيرة وطويلة". وأضاف "عدا رحلة البحر، التي استمرت لساعات، فبعدما تمكنا من العبور لداخل البحر والاقتراب من المياه الإقليمية بمركب مُترهل، لا يتسع لمن يتواجدون على متنه وهم نحو 180 شخصا فلسطينيين، وسودانيين، وسوريين، وعراقيين وغيرهم..، توقف المركب مدة ست ساعات، وبعد ضغوط منا، تحرك المركب". وأشار "ر" إلى أن المركب أصبح يدور حول نفسه مدة ساعتين، ما أثار الشكوك على ما يبدوا للبحرية المصرية قرب المياه الإقليمية، والتي وصلتنا على متن زورق، أطلق طلقات تحذيرية بالهواء، وسألنا من نحن، فأخبرناهم أننا مهاجرين، فأمرونا بالتوجه والعودة لميناء الإسكندرية، وهناك كانت تنتظرنا أجهزة أمن الدولة والمخابرات وغيرها..". وتابع "تم نقلنا للتحقيق بسجن (ثاني المنتزه)، ومكثنا به 9 أيام وكأنها سنوات لسوء المعاملة، وتم نقلنا ومكثنا يومين بسجن (بئر البعد) في سيناء، وكان برفقتي العشرات من المهاجرين الفلسطينيين، الذين تم إلقاء القبض عليهم، وتم ترحيلنا بعدها لغزة عبر معبر رفح، وأشعر بالندم، ولن أفكر بالعودة مُجددًا". وقد فقد نحو 400 مواطن فلسطيني في حادثة غرق قارب في العاشر من أيلول/سبتمبر الجاري في عرض البحر المتوسط، كانوا في طريقهم للهجرة غير الشرعية في أوروبا.
