الداخل المحتل – رشا بركة – صفا
تشكل "الهوائيات" التابعة للشركات الخلوية الإسرائيلية خطرًا قاتلاً يطارد المواطنين الفلسطينيين في العديد من بلدات الداخل المحتل، وعلى رأسها مدينة أم الفحم وبلدة عين إبراهيم، وهو يلتهم بين فترة وأخرى عشرات الضحايا من مرضى السرطان. وتتعمد الشركات نصب الهوائيات المعروفة باسم "الأنتينات" بين منازل المواطنين، حتى إن المستوطنات المحيطة بالبلدات الفلسطينية توجّه هوائياتها أيضًا تجاهها، الأمر الذي أدى إلى زيادة حالات الإصابة بالسرطان في هذه المناطق نتيجة للإشعاعات الكثيرة التي تبثها. وبحسب اللجنة الشعبية لإزالة الهوائيات في أم الفحم فإن من بين 8 وفيات 5 مصابة بالسرطان في أم الفحم بسبب الهوائيات، وفي المقابل فإن الشركات الخلوية تجني أرباحًا تصل إلى 18 مليون شيكل شهريًا. [title]فوضى وتجارة[/title] وتقول الناشطة في جمعية "صرخة ضد الهوائيات" غادة جبارين لوكالة "صفا" إن المناطق التي تتركز فيها الهوائيات تشهد ارتفاعا ملحوظا جدًا في عدد الإصابات بمرض السرطان خاصة في بلدتي أم الفحم وعين إبراهيم وفي وسط المثلث العربي بشكل عام. وتوضح أن هذه الهوائيات قريبة من بعضها البعض ولذلك فهي تبث إشعاعات مسرطنة وضارة لجسم الإنسان، كما أن نظام التغطية الناتج عنها يُحوّل الهاتف الخلوي في أيدي المواطنين إلى أداة خطرة جدًا. وبحسب جبارين، فإن مناطق عديدة على رأسها أم الفحم تحوّلت إلى فوضى عارمة في وضع هذه الهوائيات، موضحة أن الشركات الخلوية أصبحت تنفذ مسحًا لعقول الناس عبر إغراءها لبعض أصحاب المنازل والمباني بأموال وإعفاءات من فواتير الكهرباء مقابل أن يكون أجير لها يضع "أنتينا" فوق منزله. وتبيّن أن الشركات الخلوية تدفع لمن تجري معه اتفاقا على وضع "الأنتينا" فوق منزله مبلغ يصل إلى ألف دولار شهريًا في بعض الحالات أو مبالغ سنوية، ويتم التوقيع على الاتفاق مع محامي حتى تربط الشركة المواطن بالاتفاق ولا يستطيع التنصل منه في حال ندم واستفاق ضميره وأراد إزالة "الأنتينا". ولهذا فإن هذه الهوائيات لم يعد وجودها يقتصر على مقرات المؤسسات والشركات فتحوّلت منازل الكثير من المواطنين إلى مكان "يشع مرضًا تجاه الأهالي". [title]القانون مغيّب[/title] هذا الوضع الذي وصفته جبارين بالفوضوي مستمر بالرغم من أن هناك قانون يمنع أي شخص من وضع "أنتينا" فوق منزله أو حتى أي مجلس بلدي أو مؤسسة، وهي جهات متورطة أيضًا في ذلك. وشهدت العديد من البلدات الفلسطينية احتجاجات ومسيرات كبيرة تنديدًا بكثرة هذه الهوائيات وتوالي حالات الإصابة بالسرطان، وقد أقدم العديد من المحتجين على إسقاط 2 من هذه الهوائيات في مدينة أم الفحم. وضمن التطور التكنولوجي الذي تطبقه الشركات الخلوية الإسرائيلية في أنظمة اتصالاتها فقد أصدرت مؤخرًا هوائيات صغيرة الحجم، بحيث يمكن إخفاءها عن أعين الناس عبر وضعها في أماكن كخزانات المياه الفارغة أو غرف مغلقة غير معروف مكانها. وبعد هذه الخطوة الخطيرة-بحسب جبارين- أعلنت وحدة البيئة استخدامها لأجهزة متطورة "رادار" للكشف عن مكان الهوائيات المخفية. ولكنها تؤكد أن هذه الرادارات أيضًا لم يتم استخدامها بشكل فعّال، بل إنها تكشف عن وجود رشاوى يتلقاها بعض الأشخاص في وحدات البيئة من هذه الشركات لئلا يستخدمونها، ولذلك أصبح خبراء البيئة يتلاعبون بالموجات كلما تم إجراء فحص حتى لا تعطي إشارة بمكان هذه الهوائيات. وتقدمت "صرخة ضد الهوائيات" واللجنة الشعبية لإزالة الهوائيات بطلب للسلطات المحلية وهيئة البيئة بضرورة العمل على أن يكون التوزيع أمنًا لهذه الهوائيات عن طريق خبراء يجروا فحصًا لـ "الأنتينات"، ليحددوا كم المنطقة قادرة على استيعابها من حيث مساحتها. وأصدر عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين والمشرف العام لرابطة علماء المستقبل مشهور فوّاز فتوى بوجوب إزالة الهوائيات نظرًا لما تسببه من الأذى والضرر بالناس. وأكدت الفتوى وجوب إتباع الطرق السلمية والقانونية في سبيل إزالتها، ودعت إلى تكاتف الجميع في سبيل دفع أذى الهوائيات عن الناس، لأن هموم المسلمين وأوجاعهم تصب في خندق واحد. [title]تواطؤ واستهداف[/title] ويشدد عضو اللجنة عدنان عبد الهادي لوكالة "صفا" على أنه وبالرغم من كل هذه المطالبات إلا أن شركات الخلويات تستمر بنصب هوائيات عملاقة في الأراضي الزراعية خاص بمدينة أم الفحم وضواحيها. ويقول إن هذا الاستمرار في "المتاجرة بصحة البشر" يأتي بسبب انعدام الرقابة على هذه الشركات الإسرائيلية بل لكون السلطات المعنية متواطئة معها وتستفيد من وراء استمرار بقاء هذه الهوائيات. ووصل عدد الهوائيات في المنصوبة في أم الفحم أكثر من 76 هوائية، وعدد منها منصّب فوق مؤسسات تابعة للبلدية، ولذلك فإن المدينة لها تجارب منذ سنوات مع هذه الهوائيات. ولكن عبد الهادي يؤكد أنه وخلال السنوات الـ4 الأخيرة بدأ مرض السرطان بالانتشار بين المواطنين في المدينة حتى أصبحت نسبة الوفيات والإصابات شهريًا. ولا يتوقف الأمر عند حد نصب الهوائيات في المدينة بل إن مستوطنة "معاليه" القريبة من المدينة توجه كافة أبراجها الهوائية تجاه أم الفحم، ويوضح عبد الهادي أن حوالي 8 أبراج هوائية من المستوطنة موجهة نحوها. وفي مستوطنة "يوكنعيام" أيضًا يوجه القائمون على محطة الكهرباء هناك المكان الذي يخرج منه غبارها تجاه منطقة أم الفحم لتزيد بذلك معاناة أهالي المدينة. وشهدت منطقة شارع (65) ببلدة عرعرة إصابة أعداد أخرى من السرطان جلّها من عائلة واحدة أو من منطقة واحدة تتركز فيها الهوائيات. وإزاء هذا الوضع شهدت البلدات التي تعاني موجة احتجاجات في الأشهر الأخيرة الماضية للعام الجاري ضد هذه الهوائيات شارك فيها مرضى سرطان وألاف المواطنين، مطالبين بإزالتها وانقاذ المزيد من الضحايا. وتوجه عدد من أهالي هذه المدن إلى المحكمة المركزية الإسرائيلية من أجل إصدار أمر بإخلاء وإزالة الهوائية من المكان. ولكن عبد الهادي وجبارين يؤكدان أن مستوى الاستجابة سواءً على المستوى القضائي أو السلطاتي صفر، محملين السلطات الإسرائيلية التي ترعى شركاتها الخلوية مسئولية الوضع المأساوي المستمر الناتج عن وجود هذه الهوائيات.
