غزة- رشا بركة- صفا
انقض العدوان الإسرائيلي الأخير على ما تبقى لأصحاب المنشآت الصناعية من حربي عام 2009 و2012 بتدمير أكثر من 500 منشأة صناعية بشكل مدروس ومخطط لضرب البنى التحتية للاقتصاد الفلسطيني. وتوقف بهذا العدوان ما تبقى من عجلات الإنتاج، وانضم بقية آلاف العمال لطابور البطالة، وتحوّل القطاع الصناعي والإنشائي بذلك "من حالة غيبوبة لموت سريري". ووفقًا لوزارة الاقتصاد في حكومة الوفاق الوطني فإن غزة فقدت خلال العدوان نحو 500 منشأة اقتصادية تشكل 60% من الطاقة الانتاجية للقطاع. ويعتبر مصنع العودة للبسكويت الأبرز والأضخم على مستوى مصانع قطاع غزة، وقد تعرض لوابل من القذائف المدفعية الحارقة التي تعمد من خلالها الاحتلال تدميره بشكل كامل. ويقول نائب رئيس مجلس إدارة المصنع إياد التلباني لوكالة "صفا" إن الخسائر التقديرية الأولية نتيجة استهداف المصنع تفوق الـ25 مليون دولار، وهو رقم قابل للزيادة مع إحصاء أضرار وخسائر أخرى على المدى القريب والبعيد. ويقع المصنع الذي أنشأه التلباني منذ عام 1976 على مساحة 850 مترًا تشمل الأرض ومبناه المكون من 3 طوابق، وينضم بتدمير المصنع 450 عاملاً إلى طابور البطالة. ويؤكد التلباني أن أقل خط من خطوط الماكينات المدمرة يكلف مليون دولار فيما تكلف خطوط أخرى فوق الخمسة ملايين دولار كخط انتاج "الأيس كريم". ويشير إلى أن مصنعه كان يصدر قبل حصار غزة عام 2007 ما يعادل الـ60 % من منتجاته للضفة الغربية و40% لغزة، ولكنه ومنذ ذلك العام يخسر يوميًا بسبب منع تصدير المنتجات. [title]تدمير محاور الاقتصاد[/title] ويشير نائب رئيس الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية علي الحايك إلى أن لجان حصر الأضرار التي بدأ عملها منذ أكثر من أسبوع حصرت تدمير 550 منشأة كليًا في القطاع الصناعي فقط. ويقول لوكالة "صفا" إن 1000 ورشة ومحل تجاري تم تدميرها أيضًا خلال العدوان الأخير خلافًا لمنشآت الصناعة، مؤكدا أن الاحتلال اختار وبعناية تدمير كبرى مصانع القطاع لتدمير محاور الاقتصاد. وبالتحاق عمال القطاع الخاص للعاطلين تصل معدلات البطالة إلى 70%، وفق الحايك، الذي يؤكد أن المصانع التي دمرت كانت تستوعب ألاف العمال أبرزها مصانع المواد الغذائية والصناعات الإنشائية التي كانت تعمل ضمن مشاريع دولية. وتضررت 10 قطاعات صناعية ضمن الرقم المذكور ولكن القطاع الصناعي والصناعي الإنشائي والزراعي والغذائي يعتبر الأكثر تضررًا، وعلى رأسها مصانع الباطون والمعلبات والأدوية ومصنع النايلون والكرتون وجميعها الوحيدة على مستوى القطاع. [title]الوحيد في فلسطين[/title] وجاء استهداف المصنع الوحيد على مستوى غزة والضفة و"اسرائيل" في صناعة "الكرتون" والشادر وأكياس الدقيق ليوقف عجلة عشرات المصانع التي كانت تعتمد عليه في تغليف وتعليب منتجاتها. ويقول صاحب المصنع الواقع وسط القطاع أسامة الخزندار لوكالة "صفا" إن الخسائر الأولية لتدميره تفوق الـ4 مليون دولار. ويوزع المصنع يوميًا منتجاته على مصانع الشيبس والمعلبات وشركات "كوكا كولا" و "سفن أب" وشركات النظافة وشركات وتجار الكرتون والخضار، فهو يغطي احتياجات معظم مصانع القطاع، بحسب الخزندار. وكما يقول فإن أصحاب هذه المصانع والتجار يشترون يوميًا ما بين 6 ألاف والألف والـ 3ألاف وقد تصل إلى 100 ألف كرتونة، كلٌ حسب احتياجاته وحجم توزيعه لمنتجاته. وبتوقف عمل المصنع كاملاً ينقطع مصدر الدخل عن أكثر من 40 أسرة إضافة لمهندسين وإداريين و4 شركاء، فيما يحتاج المصنع لعودة عجلة العمل فيه لعام ونصف إلى عامين، هذا في حال توفرت الأموال اللازمة وتم إدخال الماكينات التي دمرت كاملة. [title]11 مليار $ سابقة[/title] وبحسب الحايك فإن الاحتلال دمر خلال عدواني عام 2008 وعام 2012 حوالي 1700 منشأة، وكان له أثر في تشريد ألاف العمال، وبالتالي أتى عدوان 2014 ليشرد من تبقى من هؤلاء وبهذا يفسر وصول معدل البطالة لـ70%. ويبيّن أن القطاع الخاص تكبد منذ عام 2006 ومرورًا بعدواني 2008 و2012 والاجتياحات المتكررة حوالي 11 مليار دولار. وبالرغم من أن تقدير بعض الجهات لخسائر القطاع الخاص جراء عدوان 2014 بمليار دولار، إلا أن الحايك يؤكد أن الرقم الحقيقي ستحدده اللجنة المكونة من وزارة الاقتصاد والأشغال واتحاد الصناعات وستجهّز تقرير شامل ودقيق لتسليمه إلى الجهات المانحة في مؤتمر الإعمار. [title]المعابر وتدفق التمويل[/title] وحقق الاقتصاد الفلسطيني الغزي نقلة نوعية نحو النمو خلال الفترة الماضية أثبت خلالها أنه قادر على منافسة الاقتصاد الإسرائيلي والاستقلال عنه، وهو ما لم يرق لـ"اسرائيل" ولذلك تعمدت تدمير محاوره وأعمدته الإنتاجية، وفق الخبير الاقتصادي معين رجب. ويقول رجب لوكالة "صفا" إن "اسرائيل" تعتبر الاقتصاد جزءًا أساسيًا من محاور الصراع مع الفلسطينيين، وقد برز هذا في استهدافها للقطاع الإنشائي خلال حروبها الثلاثة على غزة. ويضيف "يريد الاحتلال إبقاء الاقتصاد الفلسطيني تبعي واستهلاكي كما يهدف لدفع المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال للهجرة إلى خارج القطاع، حتى يعود الاقتصاد ليكون تابعًا له خاصة وأن "اسرائيل" تستفيد من هذه التبعية مليار دولار سنويًا". ولكن الخبير الاقتصادي يؤكد أن الاقتصاد الفلسطيني أثبت وعلى مدار سنوات استهدافه بدئًا باحتلال عام 1967 ومرورًا بالانتفاضتين وما بينهما والحروب الثلاثة أنه قادر على الوقوف مرة أخرى واثبات جدارته وقدرته على النمو. ولذلك-كما يقول رجب- فإن إعادة الحياة للقطاع الإنشائي والصناعي يتوقف على عاملين هما انتظام عمل المعابر والسماح بتدفق الاحتياجات من الخارج من المعدات والأليات والماكينات ومستلزمات الانتاج، والثاني توفير التمويل اللازم لتغطية الخسائر التي سببه العدوان.
