تواجه الفرق الفنية المتخصصة بالأناشيد الوطنية والمقاومة في الضفة الغربية واقعا صعبا بفعل نقص إمكانياتها المالية من جهة ومضايقات أمنية تتعرض لها منذ سنوات من جهة أخرى. ويأتي تفاقم هذا الواقع لفرق الأناشيد الوطنية رغم استمرار صعود شعبيتها والإقبال الجماهيري على أعمالها خصوصا بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة. ومن بين تلك الفرق "فرقة الأنوار الفنية" التي أسست قبل ما يزيد عن 18 عاما في مدينة دورا جنوب الخليل لتتخصص بالنشيد الوطني المقاوم بجهد فردي وذاتي، مقتصر على أعضاء الفرقة. وبينما تمكنت فرق عديدة وفنانون كثر في العالمين العربي والإسلامي من الصعود إلى النجومية خلال فترة أقصر بكثير من عمر فرقة الأنوار، إلا أن ظروفا مادية وأمنية جعلت من الفرقة تراوح مكانها. وما تزال الفرقة تشق طريقها في مسيرة الفنّ المقاوم بالضفة الغربية، على أمل أن تستحوذ مكانها المأمول على المستويين الفلسطيني والعربي. ويتهم الناشطون في هذا الحقل من الفن المستوى الرسمي الفلسطيني بإهماله، رغم تأكيدهم على أنهم يعبرون عن حالة شعبية، ويختارون نوعا من الفن الذي يحفز الشارع الفلسطيني على مقاومة الاحتلال. [title]جهد فردي[/title] وأنتجت فرقة الأنوار حديثا أنشودة "منصورة يا غزة" تزامنا مع العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، وذلك رغم محدودية إمكانيات الفرقة، ورؤيتها للشغف الشعبي بالأناشيد المساندة للمقاومة في معركتها ضد الاحتلال. ويقول رئيس الفرقة أحمد المصري لوكالة "صفا"، إن احتياجات الفرقة يجري تمويلها من نتاج مشاركاتها في بعض الاحتفاليات والمهرجانات، فيما يجري تغطية المتطلبات المادية الأخرى من جيوب أعضائها نظرا لقلة الدعم والإمكانيات. ويشير المصري إلى حقبة معاناة عاشتها الفرقة بعد مصادرة الأجهزة الأمنية الفلسطينية لمعداتها قبل ثلاث سنوات، بذريعة دعمها وتشجيعها للمقاومة ضد الاحتلال، إضافة إلى المعيقات التي تواجه الفرقة في تسجيل الكليبات الانشادية في "استوديوهات" التسجيل في الضفة الغربية لخشية أصحابها من الملاحقة الأمنية. كما يجرى بحسب المصري منع الفرقة من إحياء بعض الحفلات الكبيرة. ويدلل على مدى المصاعب التي تواجه فرق الانشاد الوطنية باندثار عدة فرق أخرى في الضفة الغربية وخاصة في الخليل خلال الأعوام الماضية بسبب الظروف الأمنية، واتهامها بالقرب من حركة حماس والمقاومة. [title]روح معنوية[/title] ويرى الفنان الشعبي شادي البوريني الذي أنتج عددا من الأغاني الداعمة للمقاومة بالعدوان الأخير على غزة، أنه لمس للفن المقاوم دورا قويا في رفع الروح المعنوية لدى الشعب والمقاومة، لافتا إلى أن كثيرين ينتظرون على أحر من الجمر الأغاني التي تخص عدوان غزة. ويشير البوريني إلى أنه أنجز مع زميله قاسم النجار عددا من الأغاني المشتركة، أبرزها "شكرا غزّة خير" و"المقاوم حبيبنا اللزم"، لافتا إلى أن كل الأعمال هي جهد فردي وشخصي، وكان عملا سريعا، له علاقة بعدد من التطورات في عدوان غزة. لكن البوريني يبين أن عمله الفني المقاوم يحتاج الدعم والمزيد من الاهتمام من كافة الجهات، مشددا على أنه فنا شعبيا خالصا، بعيدا عن الحزبية أو الفصائلية، خاصة وأنه يرى أنه وبمجرد تبنيك من جانب فصيل معين فإنك ستكون فنانا يراك النّاس من زاوية محددة. ولفت بهذا الصدد إلى رفضه الغناء لعدة جهات فصائلية، انطلاقا من رؤيته الأغاني الوطنية التي يعدها تستهدف كافة الفئات وتريد إيصال الفكرة للجميع. ويرى بأن المزاج العام للمواطنين في الفترة الأخيرة أمسى مع المقاومة ومع النشيد والأغاني الوطنية والمقاومة، وبدأ يلحظ حالة كبيرة من التأثر والنقل والاستماع لمثل هذه الأغاني في كل الأمكنة. [title]لا ميزانيات مخصصة[/title] من جانبه، يرى المختص بالفنون التراثية الفلسطينية إدريس جرادات لـ"صفا" عدم تخصيص السلطة الفلسطينية لميزانيات محددة لدعم هذا النوع من الفن على وجه الخصوص، في الوقت الذي تخصص فيه ميزانيات محددة لتمويل بعض الأنشطة الثقافية الأخرى حسب معايير معينة، ولفرق محددة، ولفنون مختارة. ويعتبر جرادات أن المطلوب من الجهات الرسمية وضع خطة استراتيجية لدعم وتمويل الفن الفلسطيني وخاصة الفن المقاوم، مشددا على أن أي مجتمع بلا موهوبين لن يكون له حاضر ولا مستقبل. وهو يدعو إلى ضرورة استثمار القدرات والكفاءات الفنية المتوفرة، وتوظيفها أكثر لخدمة هذه القضية الوطنية بشكل يجسد مشاعر الشعب الفلسطيني وأحاسيسه تجاه حالة الظلم التي يعيشها بسبب الاحتلال، انطلاقا من كون الفن المقاوم صنفا من صنوف المقاومة الشعبية ضد الاحتلال. ويؤكد جرادات على العراقيل والمعيقات التي تعترض طريق الفن المقاوم في الضفة الغربية، لافتا إلى أن المعيقات تتوزع على الجانبين المالي والأمني، ومحاولة الاحتلال اتّهام بعض الفنانين بالتحريض على ما يسمى "العنف" أو "الكراهية". لكنه يرى في الوقت ذاته ضرورة أن يكون الفن وطنيا ومقاوما خالصا حتى لا يفقد مضمونه. وحول أهمية هذا النّوع من الفن، يرى جرادات أنه يشحذ الهمم ويبقي على جذوة الصراع قائمة مع الاحتلال، متمنيا أن تشكيل ودعم فرق فنية فلسطينية تحمل هم القضية بنشيدها المقاوم إلى كافة المحافل العربية والدولية، تشبه إلى حد ما الفرق والمنتخبات الرياضية التي تمثل دول العالم، للوصول إلى أكبر قدر ممكن من الجماهير. [title]لا متقدمين للدعم[/title] في المقابل يقول مدير عام دائرة الفنون في وزارة الثقافة وليد عبد السلام لـ"صفا" إنه لم يتقدم أحد من القائمين على هذا النوع من الفن بطلبات دعم لدى الوزارة، مشيرا إلى أن الوزارة تدرس الطلبات وتقدّم الإمكانيات المتوفرة للمتقدمين. ويلفت عبد السلام إلى أن الوزارة تدعم الأنشطة الثقافية ذات الطابع الإنساني والتقدمي، وتقدم الكثير من خدمات العرض والتسويق لبعض المنتجات الثقافية الوطنية، إضافة إلى دعم كل الحقول خاصة في المجال الإنتاجي المسرحي والسينمائي، ودعم المهرجانات والانتاجات المسرحية ومشاركات بعض الفرق في مهرجانات بالخارج. ويرى أن الفن الوطني المقاوم نموذج يستحق الاحترام، وهو يعبر عن حالة من الظلم والرفض للاحتلال، وجزء من التراث والغناء الوطني الملتزم، ويشهد في هذه المرحلة حالة أفضل من السنوات الماضية، بعدما تمكن من ترسيخ حضوره، وتراجع حدة ملاحقات الاحتلال التي تمثلت بالماضي بالسجن والإقامة الجبرية وسحب الأشرطة.
