غزة – أحمد الكباريتي – صفا
لم يسبق أن توقفت حركة السير بسبب خروج عشرات الآلاف ممن يصفهم الشاعر بقومٍ "غريب الوجه واليد واللسان" بالميادين العامة في أوروبا مطالبين بإيقاف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. وفاقت الفعاليات والتظاهرات المناصرة لغزة -بحسب مراقبين- الـ 1400 خلال شهر نظمت في نحو 200 مدينة أوروبية؛ لم يسبق أن نًظم مثيلٌ لها بكثافتها حتى تلك التي أقيمت لمناهضة الحرب الأمريكية البريطانية على العراق. وفي المقابل، تلك الدعوات والتظاهرات لم تلق لها نظيرًا مكافئًا في القاهرة أو عمَان أو حتى الرياض، باعتبارها "قريبة الوجه واليد واللسان"، بل في مدن أوروبية وأخرى في أقصى غرب الكرة الأرضية. [title]جهود متفرقة مشكورة[/title] ويعلق المفكر والباحث ياسر الزعاترة بالقول إن تكرار المشهد الدموي الحاصل في عددٍ من الدول العربي وما تبعه من ثورات الربيع العربي ولَد تبلدًا في الشعور العربي. ويوضح الزعاترة في اتصالٍ مع "صفا" أن المواطن العربي بات حائرًا بين أرقام القتلى والشهداء الفلسطينيين والسوريين والعراقيين والمصريين، وأن مُضي الوقت بالسنوات يزيد ذلك "التبلد". ويضيف: "هامش الحرية الإعلامية والحق في التظاهر والحق في تبني الآراء بات كابوسًا لذلك المواطن العربي المحروم من تلك الحريات لصالح قضاياه الوطنية، فكيف يناصر إخوانًا آخرين له يؤمنون بتلك الحريات أيضًا؟". ويلفت الباحث الزعاترة أن أيٍ من ذلك "الحراك الخجول" الذي قد يحدث في الشارع العربي يُعد محط "شكرٍ وتقدير" في ظل الظروف الأمنية التي تهيمن على الشارع العربي المُسلط من الأنظمة العربية القائدة". وعلى الصعيد المالي؛ فإن حربًا إسرائيلية شرسة تسببت بخسائر في قطاع غزة بأكثر من خمسة مليارات دولار، قابله "تبرع خجول" من الدول العربية تخطى تلك الخسائر بنحو 3% فقط، بحسب إحصاءٍ لموقع "العربي الجديد". وعلى النقيض من ذلك، العاصمة البريطانية لندن وحدها شهدت عدة فعالية نصرةً لغزة، وخرج في إحداها أكثر من 200 ألف متظاهر خلال الأسبوع الماضي. ويعتقد مراقبون أن "إحساس" المتظاهرين الأوربيين بالظلم والقهر الذي يعانيه أهل غزة في حصارهم وحربهم الثالثة في أقل من ست سنوات هو الذي دفعهم من باب "الواجب الإنساني" تجاه بشرٍ آخرين؛ في حين أن أبناء عمومة الغزيين العرب غابوا عن تلك "النُصرة" إلا قليلاً. أما آخرون فيرون أن مشاهد "الدم" اليومية الحاصلة في بغداد ودمشق وبيروت وطرابلس... ولَت شعورًا من "التبلد" في المواطن العربي، على الرغم من إيمانه أن للقضية الفلسطينية روحًا وعمقًا أزليًا في كيانه. [title]ظلم الآخر[/title] ويرى رئيس مؤتمر فلسطينيي أوروبا ورئيس مركز العودة ماجد الزير أن الحراك التضامني الأوروبي مع غزة والقضية الفلسطينية يتعاظم بشكل مطرد وبدأ يتشكل على مستوى تحالفات إقليمية وعالمية. ويقول الزير في اتصالٍ هاتفي مع وكالة "صفا" إن الأوروبيين يعتقدون أن "إسرائيل" جزء من النسيج الاجتماعي الأوروبي، فهم يؤمنون أن ممارسة "ابنتهم الصغرى" للظلم ضد شعبٍ آخر –الفلسطينيين- يستوجب الوقوف عنده طويلاً. ويضيف: "ملاحظة الأوروبيين أن الحرب الحالية أخذت في إحدى أبعادها منحىً ديني تمثل بتدمير أكثر من 200 مسجد للمسلمين دفعهم للخروج بمسيرات ألفية، ليس على المستوى الشعبي، بل وصل إلى بعض البرلمانات أيضًا". وكانت معابد يهودية في فرنسا تعرضت للهجوم خلال فترة الحرب على غزة، فيما اضطر المتحف اليهودي في أوسلو للإغلاق إثر تهديدات، وهو ما قالت عنه صحيفة "الإيكونيميست" الأمريكية في عددها الأحد إن تلك "الهجمات تعبر عن تعاظم كراهية اليهود أوروبيًا". ويوضح: "حتى وسائل الإعلام الغربية شهدت انقلابًا إعلاميًا في مضمونها الخبري والقصصي لصالح الرواية الفلسطينية انطلاقًا من العمل وفق "الحقيقة المجردة" دون تدخل يد المحرر الإعلامي في الحدث إيمانًا بالحقيقة والفكر الحر". ويضرب الزير مثلاً في عددٍ من الصحف البريطانية اليمينة الصادرة في لندن مثل "ديلي تلغراف" والتي تدعم "الرواية الإسرائيلية"، "هذه الصحيفة اليوم تنقل القصة لصالح الفلسطينيين إيمانًا بالحقيقة المجردة وأنه لم يعد موجودًا ذلك المتلقي الغربي المُغيَب عن الواقع". ويشير إلى أن "سقف الإعلام الأوروبي اللامحدود ودموية الحرب الإسرائيلية على غزة والتنافس على السبق الصحفي عوامل ثلاثية ساعدت في نقل الحقيقة للمتلقي الغربي بعيدًا عن أكاذيب عاشها لعقود طويلة وقدرته على تبني رأي عام لصالح القضية الفلسطينية". ويمثل هذا الزخم الدولي في التعاطف مع القضية الفلسطينية واستنكار الحرب على غزة أفقًا للفلسطينيين والعرب بالتحرك لاستثمار هذه الموجة في مواجهة غطرسة "إسرائيل".
