الخليل-حسن الرجوب-صفا
اختار المواطن شريف بدوي الرجوب من قرية الكوم غرب الخليل بالضّفة الغربية أن تقتصر احتفالات وسهرات عرس نجليه (محمد وفادي) على توزيع التّمور والقهوة المرّة (السّادة). ولم يشأ الرجوب تشغيل مكبرات الصّوت، في خطوة يراها تتناسب مع ما يتعرّض له قطاع غزّة من كوارث وقتل ودمار على أيدي الاحتلال. ونصب الرجوب بيت استقبال التّهاني بزفاف نجليه، في أحد الأودية الواقعة على مقربة من جدار الفصل العنصري، وعلّق اليافطات التي تعبّر عن تضامنه مع جراح غزّة وأهلها، بينما ساد الهدوء والحديث المتبادل أجواء البيت، بصورة مغايرة للواقع الذي تشهده الأفراح الفلسطينية التقليدية بالضّفة الغربية. وقد ألغت عشرات العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة مظاهر الاحتفال بأعراسها بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة. [title]أفراح غير مكتملة[/title] ويقول الرجوب لوكالة "صفا": "أفراحنا غير مكتملة ولن يهدأ لنا بال وإخواننا بغزّة يموتون ويجودون بدماهم الطاهرة الزكية، وهذا أقل ما يمكننا أن نقدمه لهم من تضامن"، لافتا إلى أنّه لا مجال للفرح والابتهاج ونحن نرى صور الدماء والأشلاء والدمار. ويتابع: ألغينا كل الحفلات والسهرات، وقدمنا التمر والقهوة المرّة بدلا من الحلوى، وهذا ما نعتبره تضامنا مع إخواننا في قطاع غزّة، مشيرا إلى أنّه خرج عن المألوف بهذا التّضامن، ولاقى الإعجاب والإشادة من كافّة الزائرين، والمدعوين، متمنيا أن يحذو الجميع حذوه في هذا النّوع من التضامن مع القطاع. من جانبه، يرى المدعو إلى العرس محمود العواودة في حديثه لوكالة "صفا" أنّ معظم الأفراح في الضّفة الغربية تضامنت مع قطاع غزّة، لافتا إلى أنّ هذا العرس رائع، لأنّه ينسجم تماما مع الأوضاع التي يمر بها أبناء شعبنا في قطاع غزّة، الذين يعانون ويلات العدوان الإسرائيلي، وهذا نوع من التضامن الرّمزي معهم. ويصف العواودة ما يجري الآن في الأفراح بالضّفة الغربية بالموضة الجديدة، حيث عمّت التمور والقهوة كافّة الأفراح، واختفت فيها مظاهر الابتهاج وعمليات توزيع الحلوى، وغيرها من المظاهر الاحتفالية، وألغيت كافّة الفرق الإنشادية وفرق الدبكة الشعبية، معتقدا في الوقت ذاته أنّ الأهالي الضّفة أمسوا لا يملكون القدرة على الفرح أو حتّى الاحتفال أو الابتهاج تحت هذه الظروف. [title]أصالة فلسطينية[/title] من جانبه، يرى الناشط في مجال التراث الشعبي إدريس جرادات في حديثه لـ"صفا" أنّ هذه الأنواع من المظاهر التضامنية هي من العادات التراثية الأصيلة في التراث الفلسطيني، لافتا إلى أنّه في السابق، كانت تُؤجّل الأعراس في الكثير من القرى والبلدات والأحياء بالمدن في حال وقوع أي حالة وفاة لدى جيران العرس أو أقربائه، أو يجري استئذان أهل المتوفى لإتمام العرس إن جرى توزيع الدعوات وتقطيع اللحوم، إضافة إلى منع النسوة من الغناء وإغلاق المذياع والتلفاز لأيام، احتراما للجيرة وتعاطفا مع أهل الميت. ويلفت إلى أنّ هذا النوع من العادات والتقاليد غاب لسنوات طويلة، بسبب مظاهر الحداثة، ودخول الكثير من العادات الطارئة على المجتمع الفلسطينية، كالاحتفالات الصاخبة ومكبرات الصوت والمظاهر الاحتفالية الأخرى التي لم تكن موجودة. ويبين جرادات أنّ الفلسطينيين بالضّفة وغزّة هم جسد واحد وموحدوا الهدف والمصير، ولهذا السبب من الطبيعي أن نجد مثل هذا النوع من التضامن مع الأهل هناك، جرّاء ما يتعرَضون له من مجازر على أيدي الاحتلال، وهذا السلوك الذي بدا جليا في كثير من الأفراح بالضّفة الغربية، أمر مقدّر ولا يتعارض البتة مع طبيعة الموروث الفلسطيني القائم على الألفة والمحبة والتضامن وتقدير ظروف الجيران. ويعبّر عن رغبته في أن تستمر مثل هذه الأنواع من المظاهر في الأفراح والمسرات، دو صخب يتسبب بالأذى والإزعاج للآخرين، والحفاظ على أصالة العادات والتقاليد الفلسطينية.
