يستفيق الجيران في أحد شوارع مخيم جباليا شمال قطاع غزة على صراخ طفل فلسطيني حولته إصابته أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة إلى نصف إنسان يعاني من تهشم في عظامه ويناشد الجميع لكي يعيدوا له ما سلبته منه شظايا الصاروخ.
الطفل حسن حويلة (11)عاماً تزداد حالته تدهوراً يوماً بعد يوم ليس فقط من الناحية الجسدية وما يصاحبها من آلام شديدة في نصف جسده، بل لأنه يعيش صدمة نفسية وانهياراً عصبياً منذ إصابته في الحرب الأخيرة.
بملامحه الطفولية المقهورة قال الطفل حويلة لوكالة "صفا: "تزورني وفود وألتقي بأطباء للاطمئنان علي ويصطحبونني إلى احتفالات ومسيرات، لا أريد غير العلاج لكي أعود وأقف على قدمي كباقي الناس".
وأضاف الطفل الناجي من مجزرة ارتكبها جيش الاحتلال في حربه على غزة حينما أطلقت طائراته صاروخاً على مجموعة من الأطفال كانوا يلعبون أمام منزله: "لا أعلم هل سأعود إلى المدرسة أم أنني سأظل مشلولاً، إخوتي يخرجون ويذهبون إلى مدارسهم وأنا جالس في البيت كالعجوز".
أصعب الحالات
ويعد هذا الطفل واحداً من 169 حالة إعاقة من جرحى الحرب في شمال قطاع غزة، فهو يحتاج لإتمام العلاج خارج القطاع ولاستبدال الجهاز الذي أوصله الأطباء في قدمه، إضافة إلى حاجته الملحة لإجراء عملية جراحية وعمليات ترميمية وتجميلية.
وعبرت والدة الطفل عن خشيتها من تدهور حالة ابنها النفسية، وقالت بغضب: "من يوم إصابته وهو تحت العمليات حيث بقي شهرين ونصف في مصر ورجع لغزة مشلول نصفي، وفوق هذا نفسيته محطمة ويستاء من أي أحد يكلمه".
واستحضرت الأم صراخ ابنها الذي "يقطّع قلوب الجيران"، قائلة: "حينما يرى المكان الذي سقط فيه الصاروخ عليه يصرخ بشدة ونسكته غصباً، وكلما جاء له الأطباء ليأخذوه للتدليك والغيار تملأ صرخاته الحارة".
وتسببت الحرب الإسرائيلية التي شنها الكيان الإسرائيلي على قطاع غزة في 27 ديسمبر من العام الماضي واستمرت لمدة 22 يوماً متواصلة باستشهاد أكثر من 1500 شهيد وحوالي 5500 جريح.
إعاقة وصدمات نفسية
ولم تكن حالة الطفل محمود أبو ليلة (12عاماً) بالمغايرة، حيث أصيب خلال الحرب ببتر في يده اليمنى أثرت على جسده بشكل عام، ومنعته قوات الاحتلال من الخروج للعلاج في إحدى الدول الأوروبية وإجراء العمليات اللازمة له.
ويقول منسق برنامج التأهيل المجتمعي في الإغاثة الطبية شمال القطاع مصطفى عابد: "حالة الطفل أبو ليلة من أكثر الحالات الحرجة التي رصدتها وتعالجها الإغاثة منذ الحرب، مشيراً إلى أن 60 حالة بتر في الأطراف العلوية والسفلية تم رصدها وغالبيتها من الأطفال.
وأضاف عابد لوكالة "صفا " "البنية النفسية لأغلب الجرحى مهزوزة بشكل كبير، حيث تعاني أغلب الحالات من اكتئاب وخوف وتبول لا إرادي وعصبية وعزلة"، مشيراً إلى أن هذه المشاكل النفسية بدأت تظهر وتتطور بشكل واضح بين المصابين، خاصة الأطفال منهم أثناء محاولة القيام بالأنشطة اليومية التي اعتادوا عليها قبل فقدانهم لأعضائهم".
وأشار إلى أن مؤسسته وبالتعاون مع مؤسستي "هانديكاب" و"التعاون" الدوليتان تنفذ مشاريع حصر للأشخاص المصابين والمعاقين لتقديم معونات والأدوات الطبية المساعدة لهم، "لكن الحصار يقف حائلاً ".
وأوضح أن عدم توفر الأجهزة والأدوات الطبية يعتبر أحد العوامل المسببة لزيادة المشاكل النفسية ومضاعفتها لدى المصابين، مطالباً بممارسة الضغوط على الاحتلال لإدخال المعدات اللازمة لمساعدة المعاقين على الاستمرار في حياتهم.
ظروف صعبة
من جانبه، أكد مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة عائد ياغي أن عدداً كبيراً من جرحى ومعاقي الحرب يواجهون ظروفاً صحية ونفسية صعبة نظراً لعدم توفر المعدات والأجهزة الطبية اللازمة لهم.
وقال ياغي: "إن الاحتلال يمنع إدخال عدد من الأجهزة الطبية والكراسي الكهربائية المتحركة التي يحتاج إليها جرحى الحرب، خاصة المعاقين منهم، إضافة إلى تعمده تأخير المواد والأدوات التي يتم إدخالها تحت ضغوط دولية".
وأضاف "هناك عدد من الجرحى يحتاجون للسفر من غزة لاستكمال العلاج وإجراء عمليات تكميلية مهمة، لكنهم لم يخرجوا وذلك يزيد من صعوبة أوضاعهم الصحية والنفسية".
