رفح - هاني الشاعر - صفا
صباح يوم الجمعة الأول من أغسطس الحالي "السادس والعشرين من أيام الحرب" لم يكنّ يومًا عاديًا على مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، فبشكلٍ مفاجئ وقبيل دخول التهدئة الإنسانية التي أعلن عنها الكيان الإسرائيلي حيث التنفيذ بأقل من ساعتين، اشتعلت بلدة "الشوكة" الواقعة شرقي المدينة. قصف طال كل شيء، وغطت سحب من الدخان الأسود في تلك المنطقة، وحلقت مختلف أنواع الطائرات الإسرائيلية، التي قصفت المنازل والطرقات والمصانع والأراضي الزراعية. كما قُصفت المدفعية والطائرات الهاربين من نيران القصف، خاصة ممن عادوا لمنازلهم لتفقدها مستغلين إعلان التهدئة، ما أدى لوقوع عدد كبير من الشهداء والجرحى، لم تتمكن سيارات الإسعاف لكثافة القصف البري والجوي وكثرة العدد من نقلهم على الفور. [title]عملية نوعية[/title] كل المؤشرات على الأرض- لا سيما بدء تحرك الآليات الإسرائيلية لمناطق أعمق شرقي رفح، وسط قصف عنيف، كذلك دوي الاشتباكات العنيفة التي كانت تُسمع، وهبوط مروحيات أكثر من مرة على الحدود، واشتداد القصف الجوي، والقصف العشوائي من الدبابات- تدلل على وجود عملية نوعية للمقاومة. وما هي سوى دقائق حتى أعلن الكيان الإسرائيلي عن حدث أمني خطير شرقي رفح، ثم كشف عن قتل عدد من الجنود، وعاود بعد وقت قصير ليؤكد وجود محاولة لأسر ضابط كبير في لواء جفعاتي العامل على حدود غزة يُدعي "هدار غولدين". [img=082014/re_1407482632.jpg].[/img] وعلى الفور، تبنت كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي الرواية الإسرائيلية، منددين بالهجوم الفلسطيني "المفترض"، مطالبين حماس بالإفراج الفوري عن الجندي الإسرائيلي، متجاهلين بشكل كامل "المجازر" الإسرائيلية المروعة التي ارتكبت في رفح. وشككت كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس بالرواية الإسرائيلية، مؤكدة أن الجيش الإسرائيلي استغل قرب التهدئة للتوغل مسافة 2 كيلومتر شرق رفح، وأن مجموعة تابعة لها تصدت للقوات المتوغلة قبل بدء سريان وقف إطلاق النار، وقطع الاتصال بها، دون معرفة نتائج ما حدث. وقالت القسام في بيان: "لا علم لنا حتى اللحظة بموضوع الجندي الإسرائيلي المفقود ولا بمكان وجوده أو ظروف اختفائه"، وعاد الجيش الإسرائيلي وبشكل مفاجئ للإعلان فجر السبت الماضي، أن الضابط هدار غولدين الذي اختفت أثاره في غزة قتل في المعركة خلال الاشتباكات. وعلى الرغم من كشف زيف الرواية الإسرائيلية بثاني أيام العدوان الشرس على رفح، كانت القوات الإسرائيلية تواصل ارتكاب مجازرها الدموية بحق المدنيين العزل، والذي وصل لحد ارتقاء نحو 150شهيدًا وإصابة أكثر من 350أخرين، وارتفع تدريجيًا ليصل حتى مساء الاثنين لنحو 200 شهيد وأكثر من 400جريح. وأعلنت مصر مساء الاثنين تهدئة إنسانية تستمر لـ 72 ساعة للتباحث بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، حول الشروط التي وضعتها المقاومة الفلسطينية، وتشارف التهدئة على الانتهاء صباح اليوم الجمعة دون التوصل لاتفاق، بفعل التعنت الإسرائيلي في قبول بعض شروط المقاومة. [title]دمار هائل[/title] وتمكن سكان منطقة الشوكة شرقي رفح من الدخول في صبيحة أول أيام التهدئة للأحياء التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي بالكامل، وصدموا من حجم الدمار الهائل الذي أتي على الأخضر واليابس ودمر كل شيء في أقل من 72 ساعة.. المُسن محمد الهسي أمسك بفأس بيده وضرب به الأرض مرات عدة يبحث عن بعض الأمتعة التي دُفنت تحت ركام منزله الذي دمرته الجرافات الإسرائيلية، فيما كانت أعينه تزغ أحيانًا لأربعة منازل أخرى لأبنائه دمرتها الجرافات ولم تُبق شيئًا منها. ويقول الهسي بعدما ترك فأسه وجلس على ركام منزله لـ مراسل وكالة "صفا" : "نزحنا منذ بدء العدوان البري لمدارس الإيواء خشية على حياتنا، وعدنا صباح الجمعة، بعد الإعلان عن تهدئة، وما هي سوى دقائق، حتى تحول الهدوء لجحيم، وبدأ القصف من كل مكان". وأضاف "حاولنا الهروب مُجددًا واجهنا صعوبة كبيرة، لأن منطقتنا مترامية الأطراف وزراعية، والمنازل تبعد عن بعضها البعض، والخروج بمثابة التعرض للموت، والبقاء كذلك، فكلا الخيارين أمر، لكننا اخترنا الهروب تحت وطأة القصف، وتنقلنا من منزل لأخر حتى وصلنا مكانا أمنا". وتابع الهسي "عدنا صباح الثلاثاء بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من منطقتنا، وتفاجأنا بأن الجرافات دمرت منزلي ومنازل أبنائي بشكل شبه كامل، ولم تُبق سوى هياكل وركام لتلك المنازل، فيما لم تتضح معالم الطرقات والحقول الزراعية التي نمتلكها فكلها دخلت في بعضها البعض". وفي منطقة أبو الروس المجاورة لمنطقة الهسي التي قابلنا فيها المُسن، قابلنا خليل أبو الحصون الذي كان يبحث عن منزله، الذي لم يكتفي الاحتلال بتدميره فقط، بل نقل ركامه لمكان أخر!، ويقول : "حسبنا الله ونعم الوكيل على الاحتلال الإسرائيلي، هذا هو ديدنه منذ أن احتل أرضنا، لكن هذه كانت أبشع". وبجوار أبو الحصون، جلست المسنة صفاء الديماسي على حافة طريق مدمر مؤدية لمنزلها وتقول لمراسلنا : "اليهود دمروا بيتنا، لم يتركوا شيئًا، جئت لأتفقده وجدته مدمر بالكامل، والله محنا عارفين وين نروح، في الأيام الماضية كنا كل يوم عند ناس، إلى متى سيتحملون..!".
