غزة- خاص صفا
تنقلت نظرات الحاج الستيني أبو محمد شرير على ركام بيته الذي دمرته صواريخ الاحتلال الإسرائيلي في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، فيما الصدمة تغلب ملامح تجاعيد وجهه التي رسمتها مصائب الدهر. وبجانب الركام، افترشت زوجته أم محمد ملائة قديمة كانت اشترتها هدية لابنتها المتزوجة، وأخذت ترفع يديها إلى السماء وتدعو الله أن يحمي أبنائها وأحفادها الباقين من شر صواريخ الاحتلال. وليس بعيدا عنهم كانت سيارات الاسعاف والطواقم الطبية والدفاع المدني منشغلة في البحث عن جثث الشهداء المتحللة، والتي منعهم الاحتلال من انتشالها من تحت الركام طيلة الأيام الماضية، في مشهد بدا فيه الإصرار على الحياة من جديد رغم الألم. أجساد ممزقة، وأشلاء متناثرة، وجثث متفحمة، كل هذا وأكثر ما بدأت تنقله الطواقم الطبية من تحت ركام البيوت من حي الشجاعية منذ الساعات الأولى لبدء الهدنة الانسانية التي أعنت بوساطة الأمم المتحدة السبت بتوافق بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية. وارتكب الاحتلال الإسرائيلي الأسبوع الماضي مجزرة مروعة بحق أهالي حي الشجاعية شرق مدينة غزة، سقط خلالها أكثر من 100 شهيد و220 جريحًا، أغلبهم من الأطفال والنساء، فيما تم تشريد مئات العائلات من المنطقة، وأصبحــوا بلا مأوى في ظروف غاية فــي الصعوبة. وبنبرة غضب واستغراب يقول أبو محمد لوكالة "صفا" :" ما ذنب البيوت أن تدمر هكذا، لقد دفعت كل ما أملك من أجل بناء هذا البيت لأبنائي، ليدمره الاحتلال"، معربا عن ندمه عن كل ساعة عمل بها داخل أراضي الـ48 المحتلة. ويضيف أبو محمد لم يتركوا شيئا إلا دمروه، بلا ذنب اقترفناه سوى أننا فلسطينيون". أما الحاج أبو جهاد الحلو فقد وقف مذهولا من هول المشهد الذي رأى فيه بيته المدمر، فيما كانت الطواقم الطبية تحاول انتشال جثمان أخيه وعائلته من تحت الركام. ويقول بحسرة: "دمر الاحتلال منزل شقيقي على رأس ساكنيه ولم يسمح وقتها لسيارات الإسعاف بالوصول إليه وانتشال جثمانه رغم تواصلنا مع الصليب الأحمر إلا أن كل محاولاتنا باءت بالفشل، الأمر الذي جعل جثته تتحلل تحت الركام". وأكد أبو جهاد لـ"صفا" أن أخيه لم يستطع إخلاء منزله يوم المجزرة، نظرا لكثافة تساقط الصواريخ والقذائف على الشوارع والبيوت يومها، فظن أن البقاء في المنزل أسلم له، ولم يكن يعلم أن الاحتلال لا يرحم أحدا". وبينما كان يضع الكثير من الأهالي هناك كمامات أو بعضها من الشاش على أنوفهم، نظرا لرائحة الدماء والدمار التي أحل في المنطقة، وكأن زلزالا ضربها، بدأ الشاب حسام النعيزي البحث مع الطواقم الطبية على جده وعمه تحت الركام بعد هدم الاحتلال المنزل على رؤوسهم. ويشير النعيزي إلى أن جده رفض الخروج من البيت تحت أي ظرف كان، وفضل الموت فيه على أن يهجر مرة أخرى، بعدما دمر الاحتلال بيتهم في معركة "الفرقان" نهاية عام 2008 وبداية عام 2009. ويقول لـ"صفا": "أول ما تدخل منطقتنا تشتم رائحة الدماء والجثث المتحللة، وبعض الأشلاء المتناثرة في كل مكان، فالاحتلال ارتكب مجزرة مروعة في حي الشجاعية لم نشهد لها مثيل من قبل". أما الشاب خالد حسّان (24 عاما) والذي بترت قدمه خلال محاولته إخلاء بيته من حي الشجاعية فور بدء المجزرة، فقد أصر أن يأتي بنفسه من مجمع الشفاء الطي إلى منطقته التي ترعرع فيها، ليعاين الدمار وما آلت إليه الأمور. وروى حسان لـ"صفا" كيف بدأت منذ ساعات مساء السبت الماضي القذائف المدفعية تنهال على المنازل بشكل عشوائي "فلم يكن أمامنا سوى الهرب، أو انتظار الموت داخل منازلنا". ويضيف أنه حاول الهرب بعد هدوء القذائف لفترة قصيرة، إلا أنه وبمجرد خروجه من المنزل سقطت إحدى القذائف بالقرب منه، في شارع النزاز بحي الشجاعية، مما أدى إلى فقده إحدى قدميه وبعض الإصابات الأخرى في أنحاء مختلفة في الجسم نتيجة تطاير الشظايا. وبصوت يتخلله الألم أكمل حسان أنه عندما خرج من البيت، رأى الكثير من جثث الأطفال والنساء ملقاة في الشوارع وتغرق في الدماء، نتيجة سقوط قذائف عليهم أثناء محاولتهم النزوح إلى مكان آمن. ولفت إلى أن سيارات الإسعاف أنقذته من موت محقق كان سيلحق به نتيجة نزفه كمية كبيرة من الدماء هناك، مبينا أنه نجا من الموت بأعجوبة فيما عايش استشهاد العشرات من أقاربه وجيرانه دون ذنب اقترفوه سوى مواجهة وحشية الاحتلال.
