غزة - خاص صفا
فشلت كل المحاولات المتكررة من الأقارب في إلهاء الطفل حمزة البطش ذو العامين حتى يتوقف عن سؤاله المتكرر عن والديه وظل يلح على رؤيتهم، بعد أم مر يومان دون رؤيتهما، زدون أن يعلم أنه لن يراهم أبدا. وبدأت حكاية الطفل حمزة، عندما كان متربعا بين ذراعي أمه في فناء بيتهم، وينظر في عيونها ويتلمس حنانها، منتظرا عودة والده الذي وعده بشراء لعبة ستكون "مفاجأة" بالنسبة له، بعد الانتهاء من الصلاة في المسجد، قبل أن تسقط الصواريخ الإسرائيلية على رؤوسهم. ولم يدرك "حمزة" وقتها أن أمه لن تراه بعد اليوم، أو أن تكون هذه "نظرات الوداع"، إذ تركته وأبقته بلا موعد مع بسمة قادمة، فهو لن ينهض باكرا كعادته ليجد أمه التي كانت تلاعبه وتطعمه، أو أن تشتري له لعبته المفضلة، كما لن يحرس حلمه بعد اليوم أمٌ كانت ترفع يديها إلى السماء طيلة العامين الماضيين كي ينام "الملاك". وعلى أعتاب الساعة العاشرة من مساء السبت الماضي، وأثناء انتهاء صلاة التراويح في المساجد، أطلقت طائرات الحرب الإسرائيلية حمم صواريخها على عائلة "البطش" في الشجاعية شرق مدينة غزة، أسفرت عن استشهاد 24 شهيد و50 إصابة، من ضمنهم المرأة الحامل سماح البطش وزوجها. واستشهد والدا حمزة ليتركا فلذة كبدهم يتيما وهو يتساءل الآن وهو يرقد على سريره الأبيض بمجمع الشفاء الطبي، أين أمي وأبي؟ لماذا تركوني؟ لماذا لم يأخذوني معهم؟. وحاول عقلُه الصغير فك شِفرات هذه اللوحة، لكنها ما تزال عصية على الفهم بالنسبة له، حتى أمضى نهاره الأول بعيدا عن بيته، وعن كرته ومسدسه الصغير، بعيدا عن التلفاز ومشاهدة الرسوم المتحركة، ليبقى على أمل رؤيتهم من جديد. وبدأت خالته رجاء حديثها حول تفاصيل القصف بروح ألهبتها الفاجعة قائلة:" كان الجميع يجلس في فناء المنزل، بأمان، ولم يكن عندنا صواريخ أو أي شيء مما يدعيه الاحتلال، فإذا بصواريخ الأف 16 تهطل كالمطر على البيوت الأربعة المتجاورة". أطرقت رجاء رأسها لتضيف بحزن " جميع من كان هناك استشهدوا جراء القصف ولم يبق منهم سوى عدد قليل، وأغلبهم مصابين، من بينهم حمزة أبن العامين فقط". وفي لحظة ألم جثمت على صدرها، قطعت صمت الجميع في الغرفة وكانت دمعتها تغطي عينيها بضباب حزن كثيف، وكشفت أنها لم تصدق وقوع تلك الفاجعة بعائلتها حتى الآن. وتابعت والدموع تنهمر من عينيها "كان ذلك المشهد هو أصعب مشهد رأيته في حياتي فلم أكن أتصور أن يحدث ما حدث ولكن الحمد لله على قضاء الله وقدره". واستشهد 194 مواطنا وأصيب أكثر من 1400 آخرين جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة لليوم التاسع على التوالي.
