رفح – هاني الشاعر- صفا
لم يتسن للفتاة كفاح غنام في العشرينات من عمرها أن تسمع يوما صوت أمها أو أي شيء من حولها بعد أن ولدت صماء، فحلمت كثيرا أن تشفى إلا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي اغتال حلمها منهيا على حياتها بثلاثة صواريخ استهدفت منزل عائلتها دون أن تسمع انفجار أي منها. وظلت كفاح تقاوم إعاقتها عبر برنامج تعليم خاص في إحدى المؤسسات الأهلية، وكل يوم تعود إلى منزلها سعيدة كلما تعلمت شيئاً جديداً، لكن قُدر لها أن تستشهد بفاجعة قبل أن يكتمل شفائها وهو ما أعفاها بالموت من دون سابق إنذار تشعر به. واستشهدت كفاح مع والديها واثنين من أشقائها في غارة للطائرات الإسرائيلية بثلاثة صواريخ على منزلهم في مدينة رفح أقصى جنوب قطاع غزة. وكان الوالد عبد الرزاق غنام (58 عاما) وعائلته سحورهم على وقع غارات جوية عنيفة تضرب منطقة الأنفاق المجاورة لمنزلهم في مخيم (يبنا) الحدودي. خرج الأب لأداء صلاة الفجر بمسجد الهدى المجاور، ونم ثم عاد لينال قسطًا من الراحة بين أفراد أسرته، بعد ليلة لم يناموا فيها بسبب شدة القصف لمنطقة الأنفاق المجاورة. وبحدود الخامسة والنصف فجرًا اغتالت صواريخ طائرات الاحتلال أجساد أفراد العائلة ومنهم كفاح وجميعهم نيام بعد أن أحالت منزلهم إلى ركام متناثر. وهرع جيران العائلة المكلومة لانتشال جثث الشهداء وإسعاف جرحى ينزفون دماء، وسط تكبيرات وصيحات وتهليل تخلل نقل ضحايا المجزرة. عبد الجليل العطار21عامًا واحدًا ممن شاهدوا ما حدث كان يجلس في منزلهم القريب من الحدود وسط المخيم ولم يستطيعوا النوم، بسبب شدة القصف على منطقة الأنفاق، وبشكل مفاجئ دون سابق انذار سمع حوالي ثلاثة انفجارات عنيفة تهز الحي الذي يعيش فيها، قال إن انفجارها أشد من الصواريخ التي تستهدف الأنفاق. هرول العطار مسرعًا للشارع الرئيس بالمخيم فشاهد دخان كثيف يتصاعد من منزل الغنام، والمنزل مدمر وقطع الحجارة تغلق الطريق، فتوجه رغم أن القصف كان ما زال متواصلاً على الأنفاق المجاورة، فشاهد مصابين ملقيين على الأرض وأشلاء لشهداء. وحمل العطار مصابًا وتوجه به لسيارة إسعاف وصلت للمكان، ويصف العطار المكان المستهدف بالقول : "منظر صادم وبشع جدًا لم يسبق له مثيل، المنزل مدمر، ومصابين ملقيين على الأرض، وأشلاء لشهداء متناثرة داخل ومحيط المنزل". ويقول وقد تلطخت ملابسة بدماء الشهداء لـ مراسل وكالة "صفا" : "كنت أول من وصلوا لمكان للمكان، ونقلت بيدي أشلاء لزوجة ساحب المنزل غالية ديب53عامًا، ومن ثم عثرنا على أشلاء لا نعلم تعود لمن، وبعدها عثر على الزوج عبد الرزاق جسده مفصول لجزئين، عدا أن جسده مُقطع..!". وأكثر ما صدم العطار وغيره ممن هرع إلى منزل العائلة المفجوعة وهم يعثرون على أشلاء جسد كفاح وهي ملقاة فوق غرفة لم تنهار بجوار المنزل. وتناثرت أشلاء من كفاح وأشقائها بفعل الاستهداف الإجرامي واستغرق جمعها نحو ثلاثة ساعات. ويقول العطار "واصلنا البحث تحت الركام، والقصف من حولنا متواصل على الأنفاق بشكل عنيف وشديد، حتى عثرنا على أطفال مصابين على أطراف المنازل ". وتكللت مساعي الإسعاف العاجلة في انتشال الشاب حسام مصابا من تحت أنقاض الركام وقد نجا بأعجوبة. ويعبر العطار كحال باقي سكان الحي المستهدف عن الذهول من شدة القصف للمنزل ومن حجم الخسائر التي خلفها بشريًا وماديًا، ولسان حاله يقول : "لم نكن نتصور يومًا أن يقصف منزل وسط مخيم مكتظ بالسكان وبهذا الشكل العنيف". واستشهد أكثر من مائة مواطن وأصيب أكثر من 700 آخرين منذ فجر الاثنين الماضي جراء شن جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات كثيفة على مناطق متفرقة من قطاع غزة استهدف خلالها عشرات المنازل السكنية مرتكبا خمسة مجازر على الأقل بحق سكانها.
