غزة – صفا
قبل دقائق من انتصاف ليل غزة ودخول يوم الأربعاء 28 يونيو 2006 أغارت طائرات الاحتلال الإسرائيلي بستة صواريخ على محطة توليد الكهرباء الوحيدة بقطاع غزة، ودمرت محولاتها الرئيسية، ما أدخل القطاع في أزمة إنسانية مستمرة ومتصاعدة حتى اليوم. وجاء القصف الإسرائيلي ليجهز على محطة عجوز كانت حينها توفر نحو 45% من احتياجات الطاقة بغزة، وتترك نصف سكان القطاع بدون كهرباء. وقدر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان حينها أن المحطة بحاجة لإعادة بناء وترميم وشراء محولات قدرة جديدة، قد تستغرق ستة أشهر من أجل إعادة تشغيلها، فيما تحتاج إلى تمويل يقدر بحوالي 15 مليون دولار، لتعويض الدمار، فيما رجحت شركة كهرباء غزة استمرار معاناة السكان لفترة طويلة قادمة إذا لم تتدخل جهات دولية وعربية للمساعدة في إعادة بناءها وتشغيلها على وجه السرعة. وفيما تحل اليوم الذكرى السنوية الثامنة لتدمير المحطة، لا زالت أزمة الكهرباء مستمرة وتؤثر على مختلف مناحي الحياة من صحة وتعليم وأمن وبنى تحتية واقتصاد وتجارةوغيرها. وحصدت خلال 8 سنوات مئات الضحايا وأنتجت أزمة اجتماعية وإنسانية كبيرة. [title]جدول طوارئ[/title] ومنذ قصف المحطة وضعت شركة توزيع كهرباء محافظات غزة وقتها برنامج طارئ للتعامل مع النتائج القائمة على أساس توزيع كميات الطاقة المتوفرة لديها على الجميع مما سينتج عنه فصل التيار دوريًا لمدة لا تقل عن 6 ساعات يوميًا في جميع المناطق. واستمرت حياة قطاع غزة بالجدول على مدار ثمانية أعوام، ولم تفلح كل الجهود إلا في تخفيف الجدول بين فترة وأخرى، خاصة مع اشتداد الحصار الإسرائيلي على القطاع، واستمرار الانقسام الفلسطيني. ولم تعمل المحطة بطاقتها الكاملة منذ القصف الذي طالها لأنها لم يتم إصلاحها بشكل كامل، وهو ما حصر عملها في ثلاثة محولات من أصل ستة فقط، وهو ما جعل المحطة تقلص إنتاجها من 140 ميغاواط إلى 30 و40 ميغاواط فقط. [img=062014/re_1403948882.jpg]شاحنة وقود في محطة توليد الكهرباء[/img] وفي حين أن الطلب اليومي وصل إلى 600 ألف ليتر من الوقود، حصرت "إسرائيل" الكميات بما حجمه 2.1 مليون ليتر أسبوعياً فقط. وتذرع الاحتلال بأن شاحنات الوقود من "إسرائيل" كانت تمنع من الدخول إلى القطاع لأسباب "أمنية"، وهو ما حال دون عمل المحطة أيضاً بشكل سلس. وكانت أسعار الكهرباء المطلوبة بغزة تزيد عن الكهرباء القادمة من مصر و"إسرائيل" بأكثر من أربع إلى سبع أضعاف (2.3 شيكل للكيلوواط في الساعة، مقابل 0.56 شيكل من "إسرائيل" و0.32 من مصر لنفس الكمية). كما قال تحقيق أوروبي إن أكثر من نصف الأموال التي دفعها الاتحاد الأوروبي مقابل الوقود المشترى من الشركة الإسرائيلية كانت تصب في خزينة السلطة الفلسطينية. وهذا ما دفعهم بربيع 2009 إلى الطلب من "إسرائيل" لبيعهم الوقود بدون ضرائب لأنه يأتي على خلفية إنسانية إغاثية. الرد الإسرائيلي كان صريحًا ومفاده بأن الاتفاقية الموجودة "تجارية وليست إنسانية"، والسبب من وراء الرفض كان واضحاً، حيث أنه كان يستخدم الضرائب ضمن اتفاقية تحويل الجباية إلى السلطة كعامل ضغط يستغله وقتما شاء لأهداف سياسية، مما دفع السلطة للطلب من الاتحاد الأوروبي وقف دفع ثمن الوقود. حكومة حماس في غزة (التي انتهت في 2 يونيو 2014) قالت مرارًا إنها حاولت حل الأزمة وقدمت عدة مشاريع لزيادة الكهرباء، وتوفّرت الموافقات الدولية والتغطيات المالية لها، إلا أنها كانت تصطدم في النهاية بالعقبات والتعطيلات السياسية الخالية من أي اعتبارات فنية أو مالية أو حتى إنسانية. ومن هذه المشاريع: - الربط الإقليمي العربي بقدرة 300 ميجاواط على مرحلتين، والخط الإسرائيلي الإضافي لغزة بقدرة 100 ميجاواط، وخط الغاز المصري لمحطة توليد غزة. وفي عام 2012 تحسنت أوضاع الكهرباء مع فوز الرئيس محمد مرسي بالانتخابات المصرية وإدخال كميات كبيرة من الوقود مدفوع الثمن عبر الانفاق، لكن ذلك لم يدم طويلًا بفعل الانقلاب في مصر (30 يونيو 2013) وإغلاق السلطات المصرية للإنفاق ومنع إدخال الوقود. وفي ذات العام، أصبحت المحطة جاهزة للعمل بكامل قدرتها الإنتاجية، بعد الانتهاء من مشروع إعادة تأهيل محطة التحويل الغربية، بعد 6 سنوات من التوقف جراء القصف الإسرائيلي للمحطة. [title]حاجة القطاع[/title] ويحصل قطاع غزة حاليًا على التيار الكهرباء من ثلاثة مصادر، أولها "إسرائيل"، حيث تمده بطاقة مقدارها 120 ميغاوات، وثانيها مصر، وتمده بـ 28 ميغاوات، فيما تنتج محطة توليد الكهرباءما بين 40 إلى 60 ميغاوات. ويحتاج القطاع لطاقة بقوة نحو 360 ميغاوات، لتوليد الكهرباء وسد احتياجات السكان منها (نحو 1.9 مليون نسمة)، لا يتوفر منها سوى قرابة 200 ميغاوات. [img=062014/re_1403948997.jpg]قطاع غزة يعاني من مشكلة خانقة في الكهرباء[/img] وحولت قطر مبلغ 30 مليون دولار (قيمة ضريبة الوقود المخصص للمحطة على مدار ثلاثة أشهر) إلى السلطة الفلسطينية ، إبان العاصفة "أليكسا" التي ضربت القطاع منتصف ديسمبر/ كانون الأول الماضي. وحوّلت مرة ثانية في مارس/آذار الماضي مبلغا بذات القيمة (على مدار ثلاثة أشهر) لشراء وقود للمحطة. وتعود جذور الإشكالية القائمة (بين حكومتي غزة ورام الله) السابقتيّن إلى النظام المعقّد الخاص بتوريد الوقود لمحطة كهرباء غزة التي كانت تديرها حماس، حيث كانت الأخيرة تضطر لشراء الوقود عن طريق غريمتها في رام الله، حيث لا توجد تعاملات بين حكومة غزة، و"إسرائيل" التي تسيطر على المعابر. لكن حكومة رام الله السابقة كانت تصر على تحصيل ضرائب على الوقود المخصص لمحطة التوليد، والذي تصل قيمته إلى 40% من قيمة الوقود (حسب حكومة غزة) مبررة ذلك بالأزمة المالية التي تعاني منها. [title]تجاذبات سياسية[/title] وكانت حكومة حماس بغزة، تصر على شراء الوقود بدون ضرائب، حيث تؤكد عدم قدرتها المالية على ذلك، حيث يصل سعر لتر السولار الواحد إلى 7 شواكل (2 دولار)، (4 شيكل سعر اللتر الأصلي، و3 شيكل قيمة الضريبة). وتسبب هذا الخلاف في توقف المحطة نهاية العام الماضي، لنحو 50 يومًا، وهو ما فاقم أزمة الكهرباء في القطاع، وأدى لانقطاع التيار عن السكان لأكثر من 12 ساعة يوميا، ما دفع بدولة قطر إلى التوسط لحل الخلاف، ودفع قيمة الضرائب لمدة محددة. وعقب قرابة 7 سنوات من الانقسام (2007-2014)، وقّعت حركتا "فتح" و"حماس"، يوم 23 أبريل/ نيسان الماضي، على اتفاق يقضي بإنهاء الانقسام، وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني بشكل متزامن. وأعلن عن تشكيل حكومة توافق وطني فلسطينية في 2 يونيو/ حزيران الجاري، وأدى أعضاؤها القسم الدستوري أمام الرئيس محمود عباس في مقر الرئاسة بمدينة رام الله بالضفة الغربية. ويتهدد القطاع منذ ذلك الهجوم ذات الخطر في توقف المحطة بأية لحظة نتيجة نفاد الوقود وقلة الكميات المدخلة يوميًا إلى القطاع، فيما قدمت سلطة الطاقة بغزة رؤية جديدة لنظيرتها برام الله تساهم في التخفيف من أعباء المواطنين لكنها لم ترى النور حتى اللحظة. وتحاصر "إسرائيل" قطاع غزة منذ يناير 2006، وشددت حصارها بعد أحداث يونيو 2007، ولا زالت تواصل الحصار برًا وبحرًا وجوًا، عقب الإعلان عن حكومة التوافق.
