يافا المحتلة – رشا بركة – صفا
اضطر الصياد الفلسطيني محمود السقا لتقنين رحلات الصيد في بحر مدينة يافا شمال فلسطين المحتلة إلى رحلتين أسبوعياً بسبب قلة الأسماك مقارنة مع تكاليف كل رحلة صيد بفعل إجراءات الاحتلال. ولا يتعدى الدخل الذي يجنيه السقا من مهنته أسبوعيًا مبلغ الـ150 شيكل، لكنه يؤكد أنه لا يستطيع هجر البحر " لأنه مثلنا مثل السمك إن خرجنا منه بنموت". ويقول لوكالة "صفا" : " ما خلوا شيء في الميناء؛ لا صيد ولا سمك أصلاً، وبالفعل لم يعد ميناء بحر يافا ينتج الأسماك، وهذا ما وصل إليه حال الصيادين الفلسطينيين بفعل ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته التي لا تلاحقهم وحدهم بل تستهدف السمك وتقتل (بذوره) أولاً بأول في البحر". ويضيف أبو العبد البالغ من العمر (53 عاما) " أعمل في هذا الميناء منذ 40 عاماً، وتربيت فيه منذ كنت طفل صغير، واليوم نمر بمرحلة قاسية ما عشناها في تاريخ الصيد بسبب الشبكات الضخمة "الترولات" والمعروفة بين الصيادين بسفن الجر". ويتابع " هذه السفن تحرث الأسماك الفقّاسة التي لا يتعدى طول الواحدة الأصبع، وهي تعمل على مدار الساعة حتى يوم العطل الرسمية وبدون أي رقيب أو محاسب من قبل وزارة الزراعة أو غيرها". واستعانت "سفن الجر" مؤخرًا بقوارب صغيرة من أجل تفريغ الأسماك فيها أولاً بأول داخل عرض البحر، حتى لا تضطر للوقوف على إحدى المراسي لتفريغه، وفق ابو العبد. ويعود إنشاء ميناء يافا إلى ما قبل 5 ألاف عام وهو يقع على الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وهو من أهم موانئ فلسطين التاريخية نظرًا لأنه كان ممرًا للتصدير وحركة المسافرين والتجار إلى كافة أنحاء العالم عبر العصور القديمة وخلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين وقبلها في العهد العثماني. [title]مصادرات ومبالغ كبيرة[/title] "انولدنا في الميه"، بها أجاب الصياد الفلسطيني رامي عبدو (32 عاما) حينما سألناه: لماذا لا تترك مهنة الصيد طالما أنهم صادروا قاربك ولم يعد ينجب البحر سمكًا؟. ويسرد لوكالة "صفــا " تفاصيل مصادرة قاربه من قبل شرطة الاحتلال البحرية، ويقول "كنت أسرح في البحر وراح كل الوقت وأنا بعرض الميناء، وحينما وصلت منطقة "أشكول" رأوني وعلى الفور قاموا باحتجاز القارب على الرغم بأن المنطقة مسموح فيها الصيد مسبقًا". ويضيف "الأمر لم يتوقف عند مصادرة القارب فرفعوا ضدي قضية في المحكمة وغرامات مالية، وأنا على هذا الحال من 6 شهور". وتبدأ رحلة أي صيّاد يافاوي للبحر منذ الساعة الـ5 فجرًا ويعود في الـ11 أو الـ12 ليلاً ولا يحمل سوى 4 ألواح (فرش) من السمك ويبيعها بمبلغ لا يتعدى الـ35 شيكل. وكما يقول عبدو "إذا ما قارنا تكلفة الرحلة المحرزة للصيد مثلاً إلى منطقة أشكول أو رأس الناقورة والتي يحتاج فيها المركب لـ 500 شيكل تكاليف بنزين فإنه في نهاية الأسبوع لا نخرج إلا بجزء منها". [title]مناطق للأغنياء[/title] وتقسّم سلطات الاحتلال ميناء يافا إلى مناطق لكل منها اسم وتمنع الصيادين من الاقتراب أو الصيد مقابلها، وتغّرم كل من يخالف ذلك مبلغ أقله 3500 شيكل. ويقول عبدو : " هناك منطقة يسمونها شاطئ السباحة وثانية للجيش وثالثة للسياحة، وكل فترة يخرجوا لنا بمنطقة ويغلقوها، وأي شخص يقترب تغرمه الشرطة ألوف الشواكل". ويتابع باستهزاء "هذا شيء مخطط ومعناه أنهم يريدون تطفيشنا من الميناء كله، ويدلل على كلامي جنون سفن الجر التي يحصدون فيها كل سمك الميناء، وبهذا تكون قواربنا كالأقزام في بحر العمالقة". وبالرغم من أن عبدو يكمل مشوار حياة والده في مسيرة الصيد بيافا، إلا أنه يؤكد بأن الأوضاع التي يواجهها كما باقي الصيادين تجعل من المعيشة بمهنة الصيد أمر صعب. وكما يقول "المرحلة العصيبة التي نمر فيها تجعل موضوع أن نعتاش من وراء الصيد شيء صعب، هذا حالي فما بال المتزوجين أرباب الأسر". أما الصياد أبو إسماعيل (45 عاما) فاكتفى في وصف حاله بالقول "ما في شيء؛ نحرق ونهري في دمنا وأعصابنا على شيء فاضي، لكن لا نستطيع الخروج من البحر، ووحده من يعمل في البحر يفهم هذا الكلام". وبلغت الخسائر التي لحقت بقطاع الصيد والصيادين في الميناء بفعل إجراءات الاحتلال وتهميشه لهم مبلغ 196 مليون شيكل. [title]100 صياد فقط[/title] ويقول رئيس جمعية الصيادين بيافا سعدو زينب لوكالة "صفا" إن الحكومة وعبر كل مكاتبها سواء الزراعة أو غيرها تضع أمام الصيادين كل ما تستطع افتعاله من عراقيل بهدف إنهاء وجودهم في الميناء بأي طريقة وثمن. ويضيف أن سلطات الاحتلال تعمل على تحويل الميناء إلى منطقة للأغنياء فقط عبر تقسيمها له عدة مناطق، موضحًا أن هذه الإجراءات وصلت إلى درجة أنها أصبحت تسمح لهم بوضع سفنهم وقواربهم في الميناء ولكن دون أن يكون لهم أي دور فيه. ويكشف أن سلطات الاحتلال تمارس عمليات سرقة بشكل غير مباشر تجني من خلالها مبالغ مالية، وذلك عبر فرض ضرائب غير منطقية وتدفيع الصيادين غرامات دون أسباب، وهي تريد من كل هذا تدمير حياتهم وإلغاء هذا الميناء. ويبلغ عدد الصيادين الفلسطينيين في الميناء حوالي 400 صياد موزعين على 100 سفينة كل منها تحمل من 3 إلى 5 أشخاص، ولكن بفعل ممارسات الاحتلال فإن 100 من هذا العدد يجنون قوتهم من وراء المهنة. وأدى إلى هذا العدد وهذه الخسائر قيام سلطات الاحتلال بتكسير كافة السفن والقوارب التي يخرجها الصيادون لغرض التصليح. وفي مقابل هذه الإجراءات تمنح سلطات الاحتلال مساحات واسعة من الميناء لمن يسمونهم الفلسطينيون (شمامي الهواء) أي الذين يأتوا للسياحة والترفيه من اليهود والأجانب الذين يمتلكون مساكنًا أقاموها في المكان لهذا الغرض. وترفض شرطة البحرية الإسرائيلية (البوليس باللهجة اليافوية) دخول الصيادين أكثر من 300 متر في بعض مناطق الميناء التي تعتبرها خاصة وحساسة بالنسبة لهؤلاء الأغنياء. وفي إطار مواجهة هذه الإجراءات، رفع ممثلون عن الصيادين وعلى رأسهم رئيس جمعيتهم قضية ضد الحكومة الإسرائيلية ممثلة بوزارة الزراعة ووزارة الحفاظ على جودة البيئة وذلك بدعوى الفساد في مراحل تقليص عملهم في الصيد والملاحة في البحر، وعدم تنفيذهم للتفاهمات والقوانين والمعايير المتبعة. وجاء في الدعوى "أن الصيادين بين سنوات 2001 و2009 لم يتم التعامل معهم ولم يتم جمع أي معلومات حول حركة الصيد والملاحة من ميناء يافا، الأمر الذي انعكس على أوضاعهم الاقتصادية وتسبب لهم بخسائر مست بمصادر رزقهم. ويؤكد سعدو أن الجمعية ستستمر في قضيتها حتى تعوّض الحكومة الصيادين خسائرهم وتضع حدًا للإجراءات التي تلاحقهم وزاراتها وسلطاتها عبرها.
