الضفة المحتلة – رشا بركة – صفا
على مدار سبع سنوات من العمل بمستوطنة "بتاح تكفا" المقامة على أراضي المواطنين بالضفة الغربية المحتلة كان العامل الفلسطيني عماد مصباح يتحمل كل ألوان الذل والإهانة من أجل توفير ما يسد رمق أطفاله كل أسبوع. ويسرد مصباح (40 عاما) لوكالة "صفــا" آخر حادثة شهدها في المستوطنة "عندما هجمت مجموعة من الزعران المجهولين علينا وأطلقوا النار على العامل وهو نائم في مكان عمله، وحزنت عليه كثيرًا خاصة إنه كان يفصله عن يوم زفافه أسبوع". كل هذا انتهى بانفجار كالبركان اجتاح مشاعر العامل الأربعيني فقرر التنازل عن هذا العمل. ونجا مصباح بهذا القرار الجريء من هلاك محتّم وسط مسلسل استهداف العمال الفلسطينيين الذين يعملون في المستوطنات تحت عنوان "حادث عمل". وفي حادثة مشينة توفي خلال مايو الماضي عاملان فلسطينيان من الضفة الغربية حرقًا في مستوع مصنع يعملان فيه بمستوطنة "بيت نحاليا"، وهي حادثة متكررة ولكنها متعمدة وبفعل فاعل، وليس أدل على ذلك من رفض "إسرائيل" فتح تحقيق فيها كما غيرها من الحوادث. [title]إذلال وإهانة[/title] ويروي مصباح حادثة أخرى تتكرر على مدار الأيام وهي اقتحام مجهولين مكان عمله واعتداءهم على العمال بالضرب المبرّح بـ "التكاسير" أدت إلى إصابة عدد منهم بكسور بالغة. ويضيف مستحضرًا مشاهد الإذلال "نذهب كل يوم إلى عملنا في باصات مع المستوطنين قرب مستوطنة أريئيل، وطول الطريق ونحن نسمع شتائم وكلام عنصري وسافل وكبح وشتم من المستوطنين". [img=062014/re_1401867633.jpg]حادث حريق مصنع باحدى المستوطنات[/img] ويتابع "وفي الكثير من الحالات يبلغوا عنّا الشرطة دون أي سبب بل هم من يعتدوا علينا، وبدورها تأتي الشرطة وتنزلنا من الباصات في مفترقات وطرق نائية كلها سيارات يهود، ونضطر لإكمال الطريق مشيًا لأكثر من 3 ساعات أو نعود إلى البيت". ولا يستبعد هذا العامل-ناقلاً ما يدور بين كافة العمال من مخاوف- بأن تكون جماعات "تدفيع الثمن" اليهودية المتطرفة هي من تنفذ هذه الاعتداءات نظرًا لانتشار عناصرها الواسع منذ فترة. ولا تتوقف الاعتداءات ضد العمال عند هذا الحد، فأي عامل يود الخروج من عمله لشراء بعض الحاجيات من مشروب وغيره من محل بقالة قريب يتعرض أيضًا للاعتداء اللفظي والتفتيش من قبل اليهود ويتم استدعاء الشرطة له. وبحسب إحصائية أفاد بها الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين بالضفة المحتلة وكالة "صفا" فإن نحو 40 ألف عامل يعملون في المستوطنات الإسرائيلية وذلك في مجال الزراعة والصناعة والبناء، إضافة إلى 5 ألاف امرأة أيضًا. [title]سرقة أتعابهم[/title] أما العامل النابلسي سامر محفوظ (31 عاما) فبالرغم من هذا الواقع المرير لم يغادر بعد عمله في مستوطنة "دانيال" جنوب بيت لحم، لأن "البطالة أمرّ من هذا الواقع" كما يقول. وتكلف رحلة العمل بالزراعة في المستوطنة العامل محفوظ نحو 50 شيكلا من مواصلات ومصاريف، فيما كل ما يجنيه يوميًا هو 70 شيكلا. ويكشف هذا العامل في حديثه لوكالة "صفا" وجهًا أخر للانتهاكات الممارسة ضد العمال وهو سرقة رواتبهم "أتعابهم". [img=062014/re_1401867626.jpg]حادث عمل[/img] وكما يقول فإن صاحب العمل المسمى "المعلم" بين العمال يأخذ من أتعاب كل عامل 10 شواكل دون أي سبب أو مقابل، وهو يعتبرها أجرة له لأنه سبب في تشغيلهم، وهم على هذا الحال منذ عام 2003. ويثير استمرار هذا العدد الكبير من العمال في المستوطنات تساؤلات كبيرة حول مدى واقعية القانون الذي أصدره رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عام 2010 والذي يقضي بمنع وتجريم العمل في المستوطنات. وسبق وأن أطلقت السلطة قبل عامين حملة لوقف العمل في المستوطنات، لكونها غير شرعية ومقامة على أراض فلسطينية محتلة. [title]غياب البديل[/title] ويقول الأمين العام لاتحاد العمال بالضفة شاهر سعد لوكالة "صفا" إن عدم وجود فرص عمل بديلة هي السبب في استمرار بل زيادة عدد العمال العاملين في المستوطنات، بالرغم من أن القانون الصادر بتجريمه سار المفعول ولم يتم إلغاؤه أو تجميده. ويشير إلى أن نسبة البطالة في الضفة تتجاوز الـ29%، مؤكدًا أنه و "للأسف" لن تنخفض هذه النسبة أو يتم إيجاد حل لها خلال السنوات الخمس القادمة. ويشدد على أن واقع البطالة في الضفة يحتاج لجهود كبيرة ودراسات وخطط عملية وورش عمل تجمع الجهات المعنية وعلى رأسها الحكومة والعمال من أجل الخروج برؤية واضحة وشاملة تكبح جماح البطالة. وفي قضية عمال المستوطنات، يؤكد سعد أنه لا يمكن لأي مشاريع قائمة حاليًا في الضفة استيعاب هذا العدد منهم، قائلاً "إذا كنا لم نستطع استيعاب النساء العاملات وهنّ 5 ألاف، فكيف سنستوعب 4 ألاف عامل". كما يؤكد أن الحوادث التي يتعرضون لها والتي كان أخرها تفحم جثتي العاملين وهما من نابلس كلها بفعل فاعل، مضيفًا أن "اسرائيل" ادّعت أنها شكلت لجنة تحقيق في الحادثة الأخيرة، ولكن لا نأخذ ولا نعترف بها لأن كافة تقاريرها ونتائجها تزيّف الحقائق وتصب في مصلحة صاحب العمل. ويفيد أنه وخلال العام الماضي توفي عامل في إحدى المستوطنات، ومنذ بدء عام 2014 توفي 17 عاملاً فلسطينيًا داخل "اسرائيل" إضافة إلى عاملي حادث الحريق. ويشدد على أن هذه الحوادث بحاجة إلى لجنة تحقيق دولية ومختصة تستطيع كشف حقيقة الانتهاكات التي يتعرض لها العمال، خاصة وأن "اسرائيل" ترفض فتح أي تحقيق فلسطيني فيها. [title]برامج يعيقها الاحتلال[/title] من جانبه، يقول وزير الاقتصاد بالضفة جواد الناجي لوكالة "صفا" إن خططا وبرامج تضعها الوزارة لأجل التنمية ومواجهة الفقر والبطالة تقف دون تنفيذها ومشاهدة نتائجها معيقات واجراءات الاحتلال في الضفة. ويبيّن أن على رأس هذه المعيقات منع استخدام مواردنا الطبيعية لأغراض التنمية وإعاقة حركة الموارد والأشخاص، لافتًا إلى أن 62% من مساحة الضفة ممنوع على الفلسطينيين استخدام مواردها لهذا الغرض. وبحسب الناجي، فإن نسبة البطالة غير مستقرة في الضفة وتتباين من فترة لأخرى، وقد اختلف في تحديدها عن الأمين العام للنقابات بتحديده لها بنسبة 24%، موضحًا أنها سبق وأن وصلت في فترة سابقة إلى أكثر من 50% وفي أخرى انخفضت لـ19%. ولكنه في تعقيبه على مدى تخفيف برامج الوزارة الحالية والمستقبلية من عدد العمال في المستوطنات يقول "نحن نأمل بأن تؤدي إلى توفير فرص عمل لكافة العمال بالمستوطنات وداخل الخط الأخضر". ويؤكد أن الشيء الوحيد الكفيل بإنهاء البطالة هو أن يقوم المجتمع الدولي بدوره في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي عن أراضي الضفة حتى يستطيع الشعب الفلسطيني استخدام أراضيه وموارده ويمارس الاستيراد والتصدير بحرية.
