الداخل المحتل - رشا بركة - صفا
لا تزال حجارة وتراب قرية الرويس تشهد على شهامة أهلها الذين رفضوا ولأخر لحظة سبقت النكبة الفلسطينية محاولات الاحتلال مساومتهم للخروج منها بـ"التي هي أحسن". وبالرغم من مرور 66 عاماً من النكبة والتهجير نفذت خلالها المؤسسة الإسرائيلية الألاف من مخططات طمس الهوية، إلا هذه القرية العريقة بأزقتها ومسجدها وبيوتها وأشجارها باقية تنطق بتاريخها الفلسطيني الذي يعود إلى أعوام طويلة سبقت قدوم العصابات اليهودية إليها عام 1948. وتقع الرويس على طول شارع (70) بين مدينة شفا عمرو وقرية "البروة" قرب عكا، وتقابل أراضيها مدخل بلدة "طمرة" التي يسكنها الفلسطينيون حاليًا. والسكان الأصليون لقرية الرويس هم عائلة أبو الهيجا التي رافق جدها الأول القائد صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين عام 1187م وبعد انتصاره فيها كافئه بـ 10 قرى بينها 5 من فلسطين على رأسها الرويس. [title]عملاء[/title] وتزامنًا مع الذكرى الـ66 للنكبة أصدر ابن القرية إبراهيم محمد أبو الهيجا كتاب "الرويس.. ذاكرة لا تموت"، والذي يضم 100 قصة وحادثة واقعية شهدتها القرية يرويها على لسان شهود عايشوا النكبة. ويقول أبو الهيجا -عضو جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين- لوكالة "صفا" إن الكتاب يضم 416 صفحة كانت نتاج بحث معمق على مدار 5 سنوات ماضية، وهو يتحدث عن تاريخ وأوضاع القرية وأهلها الأصليين. ويضيف أن عددا من الشهود الذين شاركوا في روايات الكتاب توفوا قبل إصداره خاصة وأنهم كانوا من كبار السن الذين كانوا في مقتبل العمر أيام النكبة. كما حصل أبو الهيجا على وثيقة من أحد الأجداد تعود لعام 1815 تتضمن مساحات الأراضي التي كان يقيم عليها سكان القرية عام النكبة وعددهم 383 نسمة وهي حوالي 200 دونم، فيما كانت باقي الأراضي تستخدم في الزراعة. وفي وثيقة إسرائيلية تعود لعام 1944 فإن مجمل أراضي قرية الرويس تبلغ مساحتها 10 ألاف دونم، وقد اعتمد على هذه الوثيقة في ذكر مساحتها الإجمالية. وفي الوثيقة الإسرائيلية التي تحمل عنوان "الرويس في عيون صهيونية" تكشّفت حقائق أخرى عن أساليب الاحتلال في تجنيد عملائه بين الفلسطينيين حتى مما قبل النكبة. وعن هذا يقول أبو الهيجا "في الوثيقة حديث عن اثنين من العملاء اليهود زرعتهما "اسرائيل" بين أهالي القرية عام 1945 لكي يحصلوا على معلومات حول كل صغيرة وكبيرة فيها". وقد تغلغل العميلان بين الأهالي كباعة للحليب ومن ثم أصبحوا ينتجون الأجبان على مدار الساعة في القرية حتى أصبحوا مقربين للأهالي، إلى درجة أن عائلات كانت تعتبر أنهم منهم وفيهم، وفق ما يسرد أبو الهيجا. ولم يتكشف أمر العميلين، وهما من ساعدا العصابات اليهودية في الهجوم على القرية ومعرفة مداخلها ومساحتها، وقد اجتمع قائد عسكري يهودي يدعى "كيشون" مع الأهالي قبل النكبة بشهر لمساومتهم على الرحيل وعدم العودة إلا أنه فشل في ذلك، وهو ما ذكرته الوثيقة الإسرائيلية. ونتيجة لهذا الفشل لم يتبق أمام الاحتلال سوى الهجوم على الرويس لإخراج أهلها منها مثلها مثل باقي القرى الفلسطينية التي شهدت النكبة. [title]استيطان [/title] وتقام على أراضي الرويس مستوطنة "يسعور" التي أنشأت عام 1949 إلى الشمال من قرية الدامون، حيث يستخدم مستوطنوها مساحات من أراضيها في الزراعة. وتدعي ما تسمى بـ"دائرة أراضي اسرائيل" أن أراضي القرية حكومية وبالتالي تسيطر عليها ضمن ما يسمى بأملاك الغائبين، وهو وضع المئات من القرى الفلسطينية المهجرة التي تضع هذه الدائرة يدها عليها منذ النكبة. أمام موقع القرية اليوم فهو مهجور ومغطى بركام الآبار القديمة التي بلغ طولها 42 مترًا وسقوف الإسمنت، وتقوم عليها غابة من أشجار الكينا التي زرعها اليهود كما في باقي القرى بعد تدميرها وطرد سكانها. كما لا تزال تنمو أشجار الصبار التي تخلد جذورها العربية فيها، إضافة إلى بقايا من المسجد الذي كان بئر القرية داخله، وتم هدمه عام ١٩٥٢. [title]نقض العهد والعودة[/title] ومنذ 66 عامًا سلّم والد الحاج محمد سعيد أبو الهيجا ومعه 6 من مخاتير البلد سلاحهم لأحد ضباط الجيش الإسرائيلي بناءً على اتفاقية بين كبار قرية الرويس وهذا الضابط تقتضي بتسليم "البواريد" مقابل العودة للقرية. ويقول الحاج محمد (84 عاما) لوكالة "صفا" إنه وحينما حدثت مناوشات الحرب خرجنا إلى أرض لنا في حيفا، وكان والدي أيامها قد عمّر لنا غرفة من الطين هناك فسكّنا فيها على أساس يوم أو يومين لحين انتهاء الحرب. ويضيف "ساومونا بعد النكبة بـ4 شهور لنسلم البواريد مقابل أن نعود لأرضنا، وفي النهاية ضحكوا علينا وأخذوا الاثنين ونحن لليوم بنستنا هالعودة". وفي رد جيش الاحتلال على خيانته للاتفاق رد أحدهم بالقول "لديكم أراض في حيفا فلتكتفوا بها"، وكان هذا بمثابة قرار بمصادرة 50 دونما لعائلة الحاج محمد التي تقطن في أراضي قرية طمرة المجاورة لقريتهم دون أن يتمكنوا من استعادة حقهم أو العودة إليها.
