"بيت نبالا" ومهجريها اشتياق متبادل حتى العودة

تميزت القرية بأراضها الخصبة
رام الله – خاص صفا
يستذكر الحاج محمد النبالي بصعوبة يوم خروجه مع عائلته من قريتهم بيت نبالا إحدى القرى المهجرة في مدينة اللد، قبل أن تدكها نيران العصابات الصهيونية إبان احتلال المدن الساحلية الفلسطينية عام 48، والتي سميت بنكبة الشعب الفلسطيني. ويسرد الحاج الثمانيني الذي عاش طفولته بين جنباتها حين كان عمره (13 عاما)، ملامح تمررها مخيلته على شفاهه التي هرمت لكثرة تردد اسمها على لسانه. ومع أن النبالي عاش غالبية عمره بعيدا عنها، إلا أنه يتمنى في كل لحظة العودة للجلوس على بيدر الحصاد ليشاهد الخيول وهي تسحب الكتل الصخرية لطحن الزرع وجني الثمر. ويقول النبالي بصوت خافت لوكالة "صفا": "في القرية خربه اسمها (جنداس) وهي أرض خصبة كنا نزرعها بالسمسم والقمح والذرة والبقوليات والدخان العربي، وكنا (نعزب) نقضي أياما بلياليها في رعي الغنم والعمل في الزراعة مصطحبين أباريق الشاي للمبيت، وكل هذا يكون أيام العطل المدرسية. قرية الجمال وتتربع قرية بيت نبالا على مجموعة تلال شرق مدينة اللد مع بداية مرتفعات الضفة في الناحية الغربية وتتبع إداريا لمدينة اللد، ويحيط بها من الناحية الشرقية قرى نعلين وبدرس وقبيا ورنتيس قبل الجدار الفاصل ويتبعن لرام الله حاليا، ويحدها في الناحية الشمالية قريتان مهجرتان هما دير طريف والطيرة، وفي الجنوب القرية المهجرة المسماة الحديثة. ويقول عبد القادر نخلة (56 عاما) لوكالة "صفا":" أسكن حاليا في مخيم الجلزون شرق رام الله، وبعد عام 67 قمت بزيارة بيت نبالا التي هجرت عائلتي منها وكنت أتمنى لو أن هذه الزيارة طال أمدها، لأن المشاهد على الأرض ليس كمن يسمع". ويمتدح نخله جمال قريته وروعتها التي تضم الحقول والبيارات وآلاف أشجار الزيتون والتداخل بين قدم المكان وحداثته، سيما وأن القرية تلاصق مدينة اللد الساحلية المليئة بالبناء العمراني مقابل أحزمة الشجر الخضراء المحيطة بالقرية من الجهة الجنوبية وتمتد على طول طريق اللطرون (القدس – تل أبيب). ويحفظ نخله لم معالم قريته عن ظهر قلب، لكثرة حديث الآباء وأهالي القرية عن روعتها، حتى قام ومجموعة من المهجرين بتأسيس جمعية بيت نبالا وأطلقوا على المباني والمؤسسات في مخيم الجلزون أسماء أحياء ومناطق القرية المهجرة. شوق وذكريات ويعود النبالي ليستدعي شيئا من ذاكرته فيقول: "خرجنا مع عشرات العائلات إلى قرية شقبا غرب رام الله وأقمنا بضعة أيام ثم انتقلنا للعيش في مخيم الجلزون مع مئات العائلات التي وصلت تباعا". وفي شوق لقريته يردد: "كنا نعيش حياة النعيم، لا أحد يسألنا عن شيء أو أين نذهب، ولم نكن نحسب حسابا لكسب الرزق أو كيف سنعيش، فكل عائلة كانت تمتلك أراضي تغطي (عين الشمس)، نزرع ونحصد ونأكل ونشرب كيفما أردنا، فأرض والدي لا نهاية لها وننام عندما نتعب بين الأشجار وفي الحقول، نملك منزلا كبيرا لنا ولأعمامي تسرح في محيطه الجمال". ويستدرك" لكن هنا في المخيم نقيم بين أربع جدران ولا يوجد حديقة ولا ساحة للمنزل، 13 عاما في نعيم وباقي عمري في جحيم". واستنادا لحديث الأجداد دأب سكان المخيم على توثيق كل ما من شأنه لم شمل أهالي القرية طمعا في عودة قريبة. وبهذا الخصوص يحدث نخله: "وثقنا أماكن تواجد العائلات النبالية التي هجرت، فكان لمخيم الجلزون النصيب الأكبر من مكان إقامتهم، ومنهم من هجر إلى دول الشتات وعاش بعضهم في مخيم دير عمار غرب رام الله، وميسوري الحال ذهبوا للسكن في مدينة رام الله، وتوزعت بعض العائلات في قرى شقبا وبيتونيا والعيسوية ويبلغ تعداد أهالي القرية (30 ألف نسمة)، وكان عدد المهجرين عام 48 (4 آلاف نسمة). ويتابع:"كان يسكن في القرية 4 عائلات وهن (نخلة، وصافي، وزيد، والشراقة)، وكانت عائلة صافي أكبرها، ولم يتبق أي فرد بعد أحداث النكبة ودمرت القرية بالكامل ولم تبق سوى المدرسة والمقبرة". لكن نخلة يأسف لخروج آبائه وأجداده من القرية بقوله: "خلال عمليات التهجير دبت الإشاعات بين أوساط الناس عن أعمال القتل والهدم، وكثير من أهالي القرية هجروها بناء على هذه الإشاعات، ولكن السؤال لماذا رحل أهل قريتنا وآباؤنا ولم يرحل أبناء القرى المجاورة؟ وهل تشتتنا وتجرعنا مرارة المخيمات لو بقي أهلنا في القرية؟ ويرد الحاج محمد حنون (83 عاما) من قرية بدرس المحاذية لبيت نبالا والتي فصلها الجدار بقوله لوكالة "صفا": "دخل اليهود بيت نبالا بهمجية رغم أنف الانجليز واحتلوها ودمروا كل ما فيها، حتى نحن في القرى المجاورة لهم رحلنا إلى مناطق في الجبال القريبة من رام الله ومنا من رحل إلى الأردن خوفا على حياته". ويتابع: "يبدو أن الاحتلال خطط مسبقا لاستهداف قرى بعينها في قضاء اللد، حتى أن عصابات الاحتلال نفذت مجزرة قبيا المجاورة عام 53 بعد النكبة بخمسة أعوام، بإشراف شخصي من اريئيل شارون والذي تسلل إلى قبيا ليلا على رأس مئات الجنود من وادي (كريكعة) يتبع لأراضي بيت نبالا، وقتل 80 من أهلها، فكانت رسالة لأهالي عشرات القرى قضاء اللد بعدم العودة". ويشير إلى أن الاحتلال عزز من سيطرته على القرية بعد نكبة عام 48 ونكسة 67 وأقام معسكرات تدريب على طول امتداد المنطقة الشرقية أشهرها (معسكر ادم) لتدريب القوات الخاصة حاليا، ونشر مواقع عسكرية بين أحزمة الأشجار الحرجية الكثيفة".

/ تعليق عبر الفيس بوك