الداخل المحتل – رشا بركة – صفا
شهدت ظاهرة اعتداءات "تدفيع الثمن" التي ينفذها متطرفون إسرائيليون ضد الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 48 ارتفاعاً كبيراً في وتيرتها واتساعاً في نطاقها، مما يطرح تساؤلات عديدة عن الأسباب وسبل مواجهتها وما هي الرسائل التي تحملها. وشنت عصابات "تدفيع الثمن" العديد من الهجمات في القرى والبلدات الفلسطينية في الداخل المحتل تركز جلّها ضد المساجد ودور العبادة والكنائس، وتعرض خلال الأسبوعين الماضيين مسجديْن في مدينة أم الفحم وبلدة "الفريديس" قرب حيفا لاعتداء وحرق من قبل هذه الجماعات، إضافة للاعتداء على مصلين بكنيسة وخط شعارات على كنائس ومقابر، وثقب إطارات 10 سيارات في يوم واحد بعكا والناصرة ويافا، بالإضافة إلى تحطيم قبر أحد شهداء النكبة بيافا. وتتخوف الأوساط الفلسطينية من تطور هذا التصعيد لارتكاب مجازر في دور العبادة، خاصة في ظل هذا التصعيد الذي يقابله صمت محكم من قبل المؤسسة الرسمية الإسرائيلية. [title]اللعب بالنار[/title] ويرى محللون سياسيون من الداخل المحتل أن هذا التصعيد الكبير في وتيرة الاعتداءات يعكس مستقبل سياسة "إسرائيل" ككيان في المنطقة، وتوقعوا أنه من الممكن أن يحدث هبّة شعبية فلسطينية قد تتحول لانتفاضة في مواجهته. ويخطئ من يصنف جماعات "تدفيع الثمن" بأنها شاذة أو نادرة بالنسبة لـ"اسرائيل" فهي مراّة عاكسة لها ولصورتها ولمستقبلها الأتية عليه، كما يؤكد الكاتب والمحلل السياسي وديع عواودة. ويقول لوكالة "صفا" إن هذه الجماعات قديمة لكنها جديدة من حيث ظهورها باسم "تدفيع الثمن" قبل 3 سنوات، ولكنها باتت ظاهرة يومية تستهدف كل الفلسطينيين بغض النظر كانوا مسلمين أو مسيحيين. ويضيف أن اعتداءاتها ازدادت ليس فقط من حيث الكم وإنما وقاحة ومن حيث الكيف والهدف، الأمر الذي يؤكد أنها منظّمة وليست عشوائية خاصة وأن القوانين والمحاكم والحكومة الإسرائيلية لم تحرك ساكنًا تجاهها. ووصلت اعتداءات "تدفيع الثمن" إلى مرحلة يصفها عواودة باللعب بالنار باستهدافها للمقدسات ودور العبادة بشكل خاص، الأمر الذي سيشعل حريق في المنطقة بأكملها حتمًا. ووفق معطيات شرطة الاحتلال الإسرائيلي فإن اعتداءات "تدفيع الثمن" وصلت إلى ما يزيد عن 600 اعتداء خلال السنوات الخمس الماضية، فيما المؤسسة الإسرائيلية تكتفي بالثرثرة الصوتية عقب كل اعتداء. [title]عوامل تشجيعها[/title] وكان رئيس "الشاباك" الأسبق "كارمي جولون" قال مؤخرًا "إن إسرائيل غير معنية بإنهاء تدفيع الثمن وغير جادة في مكافحتها وتكتفي بالضريبة الشفوية، مضيفًا أن الأجهزة الأمنية لو أرادت إنهاءها لأنهتها بأقصى سرعة". هذا القول يستدل به عواودة للتأكيد أن هذه الظاهرة تنمو وستنمو في مستنقع العنصرية ضد العرب الذي يعيش فيه الشارع والمجتمع الإسرائيلي وعلى رأسه المؤسسة الحاكمة. وتشكّل مئات القوانين العنصرية التي أقرتها الكنيست في السنوات الماضية عاملاً مهمًا في خلق الجو العام العنصري الذي تشهده "اسرائيل". كما أن تشبّع مناهج التعليم في "اسرائيل" بالكراهية والعنصرية والتحريض ضد الفلسطينيين والعرب بشكل عام ودور الحاخامات المتطرفة والفتاوى التي تصدرها والمدارس الدينية اليهودية هي أساس نمو هذه الجماعات، فهي-بحسب عواودة- تتلقى العنصرية منها. والعامل الأكبر "الغير معلن" في تصاعد وتيرة اعتداءات هذه الجماعات هو رغبة أوساط حزبية وحكومية إسرائيلية في إبقاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة وأن الكثير من هذه الجهات تعتبر أن سبب الصراع ديني وليس قومي أو على الأرض. و"تريد هذه الجهات أن تبقي أو تجعل "اسرائيل" ضمن الحرب الدينية في المنطقة، ولهذا فقد شاءت ونجحت في أن تقفل كافة الأبواب أمام أي حل أو تسوية مع الفلسطينيين ضمن رغبتها هذه". [title]جزء من سياساتها[/title] "إذا كنت في مستنقع فلا تتوقع سوى لذع البعوض"، بهذه المقولة يستدل المحلل السياسي ورئيس تحرير جريدة صوت الحق والحرية في الداخل حامد اغبارية على ما ستحمله المرحلة القادمة من تصعيد خطير لاعتداءات "تدفيع الثمن". ويقول لوكالة "صفا" إن المواقف الصريحة العنصرية للقيادات السياسية الإسرائيلية وما يجري في المسجد الأقصى المبارك من تهويد وتقسيم زماني ومكاني هو منبع ما يحدث في المنطقة شكل أجواء مناسبة لتصعيد هذه الجماعات اعتداءاتها. ويستهزئ اغبارية من مجرد الحديث عن دور المؤسسة الإسرائيلية في لجم هذه الجماعات، قائلاً "هي أصلا جزء من سياياتها وهي تعرفهم فردًا فردًا ولا أستبعد أن يكون وراء هذه الجماعات منظمات استخباراتية". وفي مؤشر خطير فقد وصلت للعديد من الشخصيات الفلسطينية المسلمة والمسيحية منها رسائل تهديد عبر الهاتف المحمول، ومن بينهم المطران بولس ماركوتسو إضافة للناشط المهندس سليمان فحماوي وأخرين. ولا يستبعد اغبارية أن يتم تنفيذ هذه التهديدات بل إنه يتوقع ارتكاب اغتيالات لقيادات في الداخل وتكون بعلم وتفويض من الجهات الاستخباراتية الإسرائيلية، كما يتوقع أن يعود عهد مجزة الحرم الإبراهيمي على يد هذه الجماعات. ويشدد على أن استهداف هذه الاعتداءات في الفترة الأخيرة للكنائس والأشخاص المسيحيين تأكيد على أن المستهدف هو كل الفلسطينيين. "وتنفذ هذه الجماعات قانون يهودية الدولة الذي تسعى الحكومة والكنسيت الإسرائيلي لإقراره وهو يعني نصًا التخلص من كل ما هو فلسطيني سواء في الداخل أو الضفة أو غزة". [title]"اسرائيل" تهابها[/title] بدوره، يؤكد الكاتب والناشط السياسي في الداخل المحتل أحمد ملحم أن اعتداءات "تدفيع الثمن"، خاصة وأنها لا ولن تقف عند حدود معينة ولهذا فهو يلتقي مع عواودة وإغبارية في أن المتوقع هو ارتكاب مجازر وعمليات قتل. ويقول لوكالة "صفا" إن هذه الاعتداءات اّخذة في التصاعد أكثر مما نشهده الأن أيضًا، وبالتالي فإن الأمور ستؤدي إلى إشعال حرب دينية حقيقية لا محالة. و"اسرائيل" نفسها ككيان تخشى من جماعات "تدفيع الثمن" وحتى جهاز "الشاباك" ذاته، وبالتالي لن تستطيع أي قوة حكومية أو أمنية لجمها، لأنها أصلاً عصابات مشّكلة لأهداف تريدها اسرائيل". ويقارن ملحم ما بين "تدفيع الثمن" والعصابات التي شكلتها "اسرائيل" ضد اليهود أنفسهم في العراق قبل سنوات لإجبارهم على الهجرة إلى فلسطين رغمًا عنهم. وبالتالي فإن "تدفيع الثمن" عصابة منظمة تكرر سيناريو ما حدث في العراق، ولكن هذه المرة لمحاولة القضاء على كل ما هو للفلسطينيين وترحيلهم منها. [title]الحل فلسطيني[/title] والحل الحقيقي-بحسب اغبارية وعواودة- لاجتثاث "تدفيع الثمن" إسرائيليًا لا يكمن في القبض على عناصرها من قبل أجهزة الأمن، وإنما يتخطى ذلك إلى تجفيف جذري لمنابع العنصرية والتطرف. وبما أن هذا الاجتثاث لن يتحقق، فإن عواودة يؤكد أن الحل لن يكون إلا فلسطينيًا وذلك عبر تشكيل لجان شعبية للدفاع عن المقدسات، وعدم الركون الى السلطات الإسرائيلية. ولا بد من توجه فلسطيني قوي إلى المحاكم الدولية لتقديم شكاوى ضد "اسرائيل" بدعوى أن هناك أقلية عربية داخلها تعيش في خطر بسبب هذه الجماعات، ومطالبة الأمم المتحدة بتحقيق حماية مطلقة منها، كما يرى عواودة. أما اغبارية فيدعو إلى أن يكون دور لجان الحراسة الجماعية حماية الممتلكات والقبض على هؤلاء المتطرفين وإعطاءهم درسًا لا ينسوه.
