للمرة الثانية خلال أقل من ثلاثة أشهر يعلن مجلس نقابة الصحافيين الفلسطينيين عن موعد جديد للانتخابات، في المرة الأولى كان القرار يستثني قطاع غزة من المشاركة، وفي المرة الثانية جاءت النقابة لترمي الكرة في ملعب صحافيي القطاع.
وكانت النقابة قررت عقد الانتخابات دون غزة في 26/12/2009، ما أثار ردود فعل رافضة ومنددة، فضلاً عن خلافات داخلية في المجلس كان من بينها رفع دعاوى للنائب العام من صحافيين ضد النقيب نعيم الطوباسي.
ومع بداية العام الحالي، قرر مجلس النقابة عقد الانتخابات في 5/2/2010 وألقى بالكرة في ملعب صحافيي غزة للتوافق حول هذا الأمر، في تجاه مختلف عن المرة السابقة، ما أدى إلى ردود فعل أشد من قبل صحافيي القطاع الذين شككوا في مغزى هذا الإعلان.
في المقابل، فإن جميع الأطراف أكدت على مطلب الانتخابات، وأكد الطوباسي أهمية مشاركة الجميع واضعاً بعض المعايير التي أثارت حفيظة الصحافيين في غزة، الذين طالبوا بانتخابات نزيهة لكن ليس على طريقة مجلس النقابة الحالي.
وكان انتخب آخر مجلس لنقابة الصحافيين في عام 1999 وانتهت ولايته في عام 2001، ولكن بسبب ظروف مختلفة كان التأجيل يستمر عاماً بعد عام، حتى بدأت وتيرة الحراك تتصاعد خلال العام الماضي بمن أجل عقد انتخابات جديدة.
"كرة" غزة
وفي هذا السياق، يقول نقيب الصحافيين نعيم الطوباسي: "يجب توحيد الجسم الصحافي من أجل مستقبل أفضل للصحافة الفلسطينية، فالنقابة يجب أن تمثل الجميع وهي ليست مزرعة لأحد أو ملكية خاصة لأحد".
ورفض الطوباسي في تصريح لوكالة "صفا" استثناء أي طرف، معلناً أنه لن يشارك في الانتخابات إلا إذا مثلت كافة الأطراف فيها، معبراً عن رفضه أن تكون النقابة ضحية للخلافات بين الفصائل أو حتى داخل الفصيل الواحد.
وأوضح أن هناك سعياً للتوصل إلى اتفاق بين صحافيي القطاع، مشيراً إلى أن "الكرة الآن في ملعب الصحافيين في غزة للتوافق فيما بينهم".
وقال: "نريد ترتيبات ترضي الجميع وندعو صحافيي غزة إلى التوافق والترتيب مع الجهات المعنية، وسندعم ذلك وسنعلن في المؤتمر العام تأييدنا له".
وأضاف أن النقابة ستعتمد ما سيتفق عليه صحفيو غزة "سواء عبر الانتخابات أو التوافق"، مؤكداً ميله نحو حالة التوافق "لأنها تخرجنا من هذه الدوامة"، على حد تعبيره.
وتابع: "إذا ما كان هناك إمكانية للانتخاب فلهم ذلك، ويتم تقديم المجموعة المختارة من صحافيي غزة لتمثلهم وتكمل مع المجموعة في الضفة تشكيل مجلس للنقابة، ومن ثم سنعمل على إعادة النظر في كافة المواضيع".
وأكد أن النقابة "عرجاء بدون غزة، وبدون اتفاق سيبقى الوضع غير صحي، لا أقبل بذلك وأريد مشاركة الجميع"، معبراً عن أمله بزيارة غزة خلال الفترة القادمة.
وحول كفاية المدة المحددة للإعداد للانتخابات فيما تزال الملفات الهامة عالقة، أكد أن مجلس النقابة اتفق على 5/2/2010 موعداً للانتخابات، مؤيداً في الوقت ذاته التوصل إلى صيغة توافقية.
وأشار إلى أن المجلس قرر عدم فتح باب التنسيب للصحافيين الجدد، "لأنه لا يمكن استيعاب المئات منهم خلال أسبوعين قبل الانتخابات ولأن فتحه قد يحتاج منا عاماً آخر"، حسب رأيه.
وأكد أنه مع كسب الوقت في هذه المرحلة وأن تعقد الانتخابات في ظل التوافق، وبعد ذلك سيتم فتح كافة الملفات وبحث ترتيب جميع القضايا
وبالنسبة للخلافات داخل النقابة، قال الطوباسي: "أتمنى أن نكون تمكنا من تجاوزها، ونحاول قدر المستطاع تطويقها بطريقة مسئولة، وبالنسبة للنقابة في غزة فقد حددنا ما لغزة وما عليها".
وأضاف "ما يزال هناك أشخاص محددين - وليس أطرافاً بعينها- يحاولون إطالة أمد هذه الخلافات ويرفضون المحاولات لإعادة المياه لمجاريها".
وأوضح أن بعض الجهات تواصل الهجوم على النقابة، قائلاً: "صدرنا رحب ونستمع لكافة الانتقادات، يجب أن نتعالى على الجراح والخلاف واستيعاب الجميع".
مطلب ولكن..
في المقابل، أكدت كتل صحافية وصحافيون مستقلون في غزة عن ترحيبهم بالانتخابات من حيث المبدأ، لكنهم أكدوا أن ذلك يستلزم تحديد المعايير وتهيئة الأجواء، وليس فقط تحديد موعد لانتخابات على طريقة مجلس النقابة.
وقال عضو المعهد الفلسطيني للاتصال والتنمية فتحي صباح لوكالة "صفا": "تنظيم الانتخابات كان وما يزال مطلباً لجميع الصحافيين، لكن تحديد الموعد في 5 شباط القادم يعكس استخفافاً بالجسم الصحافي برمته ولا يعني أن القائمين على النقابة حالياً يؤمنون بالشراكة وإصلاح هذا الجسم".
وأضاف أن الترحيب بإجراء الانتخابات أمر طبيعي، لكن هذا لا يعني بالمطلق أن تكون "شكلية" بل أن تعطى الوقت الكافي والمعايير والإجراءات الملائمة.
وانتقد رئيس منتدى الإعلاميين عماد الإفرنجي تحديد الموعد دون استشارة أو حتى إعلام أعضاء النقابة والجمعية العمومية.
وقال الإفرنجي لوكالة "صفا": "نرفض أن يديروا النقابة وأمورها كما يريدون، لسنا قطيعاً من الخراف نساق مرة من هذا أو ذاك، وحقوقنا كصحافيين لا تقر من حركة فتح ولا بقرارات فوقية من أي طرف".
وأضاف "يبدو أن هذا القرار جزاء للصحافيين الذين صبروا على المجلس أكثر من عشرة أعوام دون انتخابات، وبدلاً من أن تقبّل النقابة أنوفهم ها هي تطعنهم في الظهر".
ورفض محاولات التفريق بين غزة وغيرها لأن هذا ترسيخ الانقسام، مشدداً على أنه لا يوجد في القطاع لا على المستوى الصحافي ولا على المستوى الرسمي من يرفض انتخابات النقابة.
من جانبه، قال رئيس التجمع الإعلامي صالح المصري إن محاولة الطوباسي ومجلس النقابة رمي الكرة في ملعب الصحافيين في غزة هو تعبير واضح عن العجز الذي يعتري النقابة والقائمين عليها.
وأضاف المصري لوكالة "صفا" أن "المشكلة تكمن في النقابة نفسها، في حين لم تكن غزة مشكلة ويجب ألا يتحمل صحافيوها المسئولية، بل يتحملها مجلس النقابة والنقيب، والدليل على ذلك الخلافات الشديدة داخل النقابة في الضفة".
وأكد أنه يجب وضع الأمور في نصابها الصحيح، مشدداً على أن جميع الصحافيين يطالبون بانتخابات وفق أسس واضحة قانونياً وإجرائياً وبشكل توافقي وليس بالشكل الذي أعلنته النقابة.
ووافق رئيس التجمع الصحافي الديمقراطي حسن جبر على أن الانتخابات مطلب جماعي، ولكن ليس بمثل هذا التوجه المطروح، مشدداً على أن الصحافيين يجب ألا يكونوا جزءًا من الانقسام، مطالباً بإجراء انتخابات شفافة بعيداً عن الاعتبارات السياسية والجغرافية، لأن النقابة يجب أن تظل مهنية.
إصلاح أم ترقيع
وبالنسبة للموعد المحدد، أوضح جبر لوكالة "صفا" أن من قرروا هذا الموعد يعرفون أن هذا الوقت ضيق لإجراء الانتخابات وإصلاح النقابة، "لكنهم يريدون القفز عن ذلك لسبب أو لآخر".
واستهجن عدم تشاور النقابة مع الصحافيين واتخاذها القرارات دون العودة لمن يهمهم الأمر، رافضاً لأية انتخابات "ترقيعية" تعود بالنقابة إلى الوضع نفسه الذي استمر عقداً من الزمان.
وقال: "يجب التحضير الجيد واتخاذ الخطوات الإجرائية الملائمة قبل إعلان الموعد، للتغلب على الكثير من السلبيات التي ظهرت خلال عشر سنوات من عمر مجلس النقابة".
وأيد صباح ذلك موضحاً أن الموعد غير كافٍ للتحضير للانتخابات وإتمام جميع الإجراءات، مؤكداً أن ذلك مرفوض تماماً من قبل الصحافيين في غزة.
ورأى أن المقصود من تحديد هذا الموعد "استجلاب ردود فعل قاسية من قبل بعض الأطراف حتى تفشل الانتخابات، وبالتالي تحملها النقابة مسئولية الفشل مقابل إظهار أن المجلس كان يرغب بإجرائها".
وقال: "على الطوباسي ألا ينسى أن ولايته انتهت منذ 8 سنوات ولا يملك الحرية في التصرف في النقابة وليس مطلق اليدين هو والمجلس ليتصرفوا كما يشاءون، بل عليه وعلى النقابة استشارة كل الجهات الصحفية في الضفة وغزة".
وأضاف "الكرة الآن في ملعب الطوباسي ومجلس النقابة، وليست في غزة كما يقول، لأن القرارات يجب أن تكون قانونية وتتخذ بمشاركة الجميع ".
من جانبه، أكد الإفرنجي أن أزمة النقابة ليست أزمة موعد، بل هي أزمة عامة حول شرعيتها والقانون الذي يحكمها والعمل المهني برمته، كما أن الانتخابات لا تعد مطلقاً حلاً للمشكلة، بل فقط بداية طريق الحل.
وقال إن "ما يجري هو أن أعضاء مجلس النقابة من حركة فتح بعدما كانوا متناقضين ومتآمرين ضد بعضهم البعض، اتفقوا الآن واجتمعوا سوياً ليتآمروا ضد الصحافيين".
وأضاف "ليست القضية في الضفة أو غزة، وهذه من ابتداع مجلس النقابة لتصدير الأزمة، لا أحد يرفض الانتخابات، لكن المهم على أي أساس ستعقد".
بدوره، تساءل المصري عن مدى إمكانية إجراء انتخابات بدون قانون أو نظام أو فتح باب العضوية أو حتى غربلتها، في وقت لا يعرف فيه عدد أعضاء الجمعية العمومية، كما أن الإجراءات القانونية لعقد انتخابات سليمة غير متوفرة.
إجراءات واضحة
ويعد ملف العضوية من أبرز الملفات الشائكة، حيث أوضح المصري أنه يجب فتح باب العضوية تحضيراً للانتخابات وليس إغلاقه كما قرر مجلس النقابة.
ورأى أن فتح الباب أمام المنتسبين الجدد لن يستغرق عاماً كما ذكر الطوباسي، بل إن الأمر لا يستلزم سوى فترة مناسبة مع تكليف لجنة مهنية متخصصة بهذا الشأن تبت في الملفات المقدمة للعضوية.
من جانبه، طالب صباح بإجراء عملية "غربلة" حقيقية للأعضاء الحاليين بالتوازي مع فتح العضوية للصحافيين الجدد وإتاحة الوقت لذلك قبل إعلان الانتخابات والتوافق على موعد لإجرائها وإنهاء كافة الملفات المتعلقة بذلك.
وأكد جبر على نفس الرأي قائلاً إنه "يجب تحديد من هو الصحافي ومن يحق له ومن لا يحق له أن يكون صحافياً، وليس من حق أحد أن يحرم من تنطبق عليهم الشروط من العضوية".
وأضاف "يمكن إتمام هذه الملف في فترة بسيطة إذا خلصت النوايا ووضعت معايير واضحة ومحددة وتم اختيار لجنة مهنية للنظر في الملفات الجديدة وغربلة القديمة وإعطاء كل ذي حق حقه".
وجدد الإفرنجي التأكيد على أهمية تحديد تعريف للصحافي، متسائلاً: "كيف تم منع تنسيب الصحافيين منذ عام 2007، وما هو القانون الذي استندت إليه النقابة في ذلك، وكيف يسمحون بإجراء الانتخابات على العضوية القائمة؟".
وأوضح أن هناك أعضاء توفوا وهناك من ترك المهنة ليتجه نحو السياسة أو التجارة أو يعمل في القطاع العام أو الخاص، لذلك يجب جرد العضوية الحالية وفتح باب التنسيب للجدد.
وذكر أن إغلاق هذا الباب من قبل الطوباسي ومجلس النقابة يعد محاولة للتحكم بمن يكون أو لا يكون عضواً وذلك بمزاجية واضحة، مطالباً بتشكيل لجنة محترمة توافقية لمعالجة الملف.
وبالنسبة للملف الإداري والمالي، طالب الصحافيون النقابة بتقديم تقرير مالي وإداري حتى يتسنى إجراء انتخابات نزيهة وشفافة بترتيبات متوافق عليها من قبل الجميع.
وفي هذا السياق، قال الإفرنجي: "كان الخلاف داخل النقابة حول من الذي يأخذ الأموال وكيف تدار النقابة ومن يتصرف في مقدراتها، ووصل الأمر إلى رفع دعوى ضد النقيب وبصورة مسرحية ساخرة تم لفلفة القضية، والآن بقرار تنظيمي يريد المجلس توجيه فوهة البندقية إلى الصحافيين أنفسهم".
ودعا إلى عقد اجتماع خاص يتم فيه تحديد لجنة عضوية تبحث في قوائم العضوية وتعد للانتخابات، فيما يعدّ مجلس النقابة تقارير مالية وإدارية حقيقية "حتى نعرف من كان يسرق أموال النقابة"، حسب قوله.
وفي إطار الخطوات التي قام بها صحافيو غزة، أشار جبر إلى الاجتماع الذي دعا إليه التجمع الديمقراطي يوم الخميس الماضي وشهد توافقاً من جميع الكتل وإعلاميين مستقلين على تشكيل لجنة لمتابعة إجراء انتخابات النقابة.
وأوضح أن الصحافيين كلفوا اللجنة بإعداد مذكرة توجه لكافة الكتل ومجلس النقابة والمنظمات الشعبية ومنظمة التحرير والفصائل في سبيل التوافق على إجراء انتخابات حرة ونزيهة تضمن مشاركة الجميع.
ورجح الصحافيون في الاجتماع اتخاذ خطوات مهمة خلال الأيام القادمة في حال رفض مجلس النقابة الاستجابة لمتطلبات إصلاح أوضاع النقابة والجسم الصحفي.
