أم الفحم- خاص صفا
يُطل اللاجئ الفلسطيني سليمان فحماوي صباح كل يوم من شرفة غرفته على قريته المهّجرة، ويراقب بحرقة زحف الاستيطان نحوها، في حين حرم أهلها من إعمارها. ولا تبعد قرية "أم الزينات" عن فحماوي (65عاما) سوى بضعة مئات من الأمتار، وتقع على خط وادي الملح التاريخي قبالة سفوح جبال الكرمل، وهي تبعد عن حيفا مسافة 25 كم، ويبلغ مساحة القرية حوالي 27 ألف و250 دونم. ولجأ أهلها المهجرين عام 1948 إلى الأردن، ولا يزالوا في مخيماتها خاصة الرصيفة الذي يضم 20 ألف لاجئ منها، فيما يتواجد عدد منهم في مخيمات الضفة المحتلة وأخرين في مخيمات سوريا، إضافة إلى عدد منهم سكن في القرى المجاورة. ويقول فحماوي أحد أهالي أم الزينات والمقيم في إحدى القرى المجاورة لها في أم الفحم "إن لاجئي أم الزينات في مخيمات سوريا خاصة اليرموك والزعتري لجأوا مرة أخرى إلى الأردن حاليًا بسبب الصراع الدائر. وبلغ عدد سكان "أم الزينات" عام 1948 نحو 2300 مواطن، وتميزت بكثر عدد عائلاتها التي وصلت لـ35 عائلة. وأبرز ما اشتهرت به "أم الزينات" هي زراعتها لأشجار الزيتون، وكان فيها 12 ألف شجرة، ومما يدلل على ذلك أن أربعة معاصر زيت كانت متواجدة فيها قبل النكبة وتهجير سكانها منها. وبُنيت أم الزينات على أنقاض قرية كنعانية قديمة، وفي الفترة العثمانية وطأها العديد من الثوار والمناضلين، كما تميزت بأن كان لها اثنان من المخاتير، وهما عبد الحسن خليل فحماوي والمختار عيسى الشيخ يوسف. وما تبقى من القرية اليوم هو المقبرة التي تضم ألاف القبور لأهلها الأصليين على مساحة ما بين 40 ألف إلى 50 ألف دونم، ويواظب فحماوي برفقة عدد من أهالي القرية على تنظيف المقبرة والاعتناء بها دوريًا. [title]شهداؤها[/title] وشهدت أم الزينات في فترة الانتداب البريطاني عام 1929 إعدام اثنين من رجالها في سجن عكا، وهم قاسم مصطفى الشيخ يوسف والشهيد محمد أبو غنايم. ويردد فحماوي وهو يستذكر حادثة إعدام هؤلاء الشهيدين الأغنية الوطنية المشهورة "من سجن عكا طلعت جنازة محمد جمجوم وفؤاد حجازي جازي عليهم يا شعبي جازي؛ المندوب السامي وربعه وعموما..". وكما يقول "أبو غنايم وقاسم أعدموا مع جمجوم وحجازي بنفس الحادثة، وأذكر أن أمي قالت لي إن أحدهم كان له 7 أخوات، وقبل إعدام شقيقهن ذهبنّ إلى الحاكم العسكري البريطاني لمناشدته بالإعفاء عنه وعدم إعدامه لكنه رفض". ودفن أبطال أم الزينات بعد إعدامهم في مقبرة "الهرامس" والتي تتواجد فيها حتى الأن. وإضافة لهؤلاء فقد ارتقى 7 شهداء من أم الزينات في ثورة عام 1936، كما استشهد عدد من أهالي القرية بعد النكبة برصاص جنود الاحتلال حينما حاولوا العودة إليها. وظلت "أم الزينات" على علاقة طيبة مع القرى المجاورة لها لحين النكبة، أبرزها قرية "إجزم" و "القذيفي" وقرية "دالية الروما" وأخرى، ولهذا تمتعت بعلاقات وحركات تجارية نشطة باستمرار. وكما يقول فحماوي "تميزت القرية بجمالها كونها مطلة على جبال الكرمل وكان أهلها يعتمدون أيضًا على زراعة الحبوب وتربية الأبقار. [title]مخططات استيطانية[/title] ومن أبار وعيون القرية "بئر الهرامس" الذي سميت المقبرة نسبة إليه وعين الشقاق وبئر الناطف، وبقيت مياهها جارية فيها حتى قبل 5 سنوات، وأتت عليها جرافات الاحتلال وحولتها إلى طرق مؤدية للمستوطنات. وتحاذي "أم الزينات" مباشرة مستوطنة "إليتيم" والتي تبعد عنها مئات الأمتار فقط، وهي قرية استيطانية أقيمت على جزء من أراضي القرية. وللقرية تاريخ مع هذه المستوطنة "إليتيم"، وكانت ولا تزال معادية لها منذ ما قبل عام 1948، ولطالما اعتدى مستوطنوها على أهالي القرية ومارسوا استفزازات ضدهم. وكما يقول فحماوي "أغلبية سكان هذه المستوطنة من اليهود الأكراد الذين كانوا في العراق وجاءوا إلى فلسطين قبل النكبة، وكانوا معادين بشكل شديد لأهل أم الزنيات والقرى المجاورة لها". وبفضل أراضي "أم الزينات" فقد تحوّلت مستوطنة "يوكنيعام" من قرية إلى مدينة استيطانية تضم عشرات الألوف من المستوطنين المتطرفين. ويؤكد فحماوي أن إدارة المستوطنتيْن تضع وبشكل دوري مخططات هيكلية للبناء لتوسيعهما على حساب أراضي أم الزينات، وفي كل مرة تلتهم هذه المخططات المزيد منها، وهذا بالإضافة إلى استثمارهم لأخرى منها في الزراعة.
