نابلس – خاص صفا
يترك المزارع أكرم تيسير (40 عامًا) منزله وأولاده مع حلول ظلام كل يوم، مصطحبًا عصى ومصباحًا وهاتفه النقال صوب المنطقة الجنوبية لقرية قصرة جنوب مدينة نابلس، للمرابطة مع شبان قريته في لجان الحراسة على أطراف القرية، لصد هجمات المستوطنين. ولا زالت القرية تتعرض لاعتداءات سافرة على أيدي المستوطنين المتطرفين، فقد وثق نشطاء المقاومة الشعبية ما يزيد على 70 اعتداءً خلال السنوات الأربع الماضية، نتج عنها تخريب وإلحاق أضرار وخسائر في الأراضي والمزروعات والمنشآت المنازل والسيارات والمساجد. وعلى إثر ذلك، شكلت اللجان الشعبية عددًا من فرق الحراسة الليلية الموزعين على تخوم القرية، للإبلاغ عن أي اعتداء قد يرتكبه المستوطنون، سيما وأن القرية محاطة بمستوطنات "مجداليم" وبؤرة "إيش كودش" (النار المقدس)، وبؤرة (ايحيا) وبؤرة (عادي عاد) و(عنيعيم). ويقول الناشط في المقاومة الشعبية عبد العظيم وادي لوكالة "صفا": "برزت فكرة لجان الحراسة الشعبية عقب إحراق مسجد النورين عام 2011، ومن هذا المنطق شكلنا مجموعات للحراسة للدفاع عن كل شيء مستهدف في القرية". ويضيف "هذه الجان تم تشكيلها من أبناء المزارعين وطلاب المدارس والجامعات وبعض العمال، الذين يحرسون طوال الليل، وكان لهم الأثر الأكبر في توفير الأمن والأمان لباقي السكان". بدوره، يوضح الحارس والمزارع أكرم تيسير لـ"صفا" أن "اعتداءات المستوطنين حتمت علي الانضمام فورا لحراسة القرية مع عشرات الشبان، رغم عملي خلال ساعات النهار على جرار زراعي في حراثة الأراضي". ويضيف "عملي هذا يحافظ على مصالح أبناء قريتي، ويمنع المستوطنين من الاقتراب من منازلنا وأملاكنا، مع أن دوريات الاحتلال تبقى في حراسة دائمة للمستوطنات ومواقع المراقبة لحفظ أمن المستوطنين". [title]مقومات الدفاع[/title] وعن كثب يتابع وادي مجريات أعمال اللجان في قريته مع مختلف الهيئات المحلية وإيجاد سبل لتوفير أكبر قدر ممكن من وسائل الدفاع. ويعزو إقدام الشبان للتطوع في الحراسة إلى حالة التوافق والتكافل الاجتماعي ووحدة الأهالي في حماية الدفاع عن مصالح قريتهم. ويتابع "هنا في قصرة الجميع يعمل على قلب رجل واحد، وغياب المشاكل العائلية واندثار الأحقاد والخلافات الجانبية يجعل القرية تتحدى الاعتداءات بكل جرأة وقوة، عدا عن همة الشبان العالية التي خلفتها حادثة احتجاز 15 مستوطنا قبل ثلاثة شهور. ويعرج إلى إحدى أهم مقومات الدفاع ألا وهي كسر حاجز الخوف من المستوطنين والتنافس بين الشبان لردعهم وإلحاق أكبر أذى بهم وتكرار حادثة الاحتجاز. [title]آلية الحراسة[/title] وعن الطرق المتبعة في الحراسة يقول الناشط: "يحمل كل متطوع هاتف نقال، لأنه أسرع وسيلة اتصال مباشرة تدار الحركة من خلاله لحظة وجود أي جسم غريب أو ملاحظة أي اعتداء، بحيث يتم الاتصال على المجلس القروي وأئمة المساجد ويجري الإعلان من خلال مكبرات الصوت ويلبي النداء جميع أبناء القرية خلال 10 دقائق بصورة كثيفة". وينوه إلى أن شبان القرية على يقظة وحذر تام لأي طارئ، خصوصا وأن البؤر الاستيطانية تتموضع على قمم الجبال المحاذية، ما يسهل على المستوطنين الانقضاض بسرعة وتنفيذ الاعتداء". [title]السلطة غائبة[/title] وعقب كل اعتداء يوجه الأهالي نداءات الاستغاثة للجهات الرسمية في نابلس والمسؤولين الحكوميين والسلطة لوضع حد لاستهداف القرية. ويقول الباحث في شؤون الاستيطان عبد السلام عواد لوكالة "صفا": "الجهات الرسمية مقصرة وعاجزة أشد العجز عن الانخراط في سبل حماية المواطنين، لأن الشخصيات الرسمية لا نراها في القرى والبلدات ونقاط الاحتكاك إلا بعد انتهاء الحدث أو الهجوم على مسجد أو ضحية". ووصف عواد أساليب المسؤولين بـ (أبطال الكاميرات) لحظة غياب أبطال الأحداث، معبرا عن خيبة أمله في إمكانية ردع المستوطنين. وبهذا الصدد يحدث وادي: "لدينا عناصر كثر من القرية يعملون في الأجهزة الأمنية ويتقاضون الرواتب والمعاشات، فلماذا لا يكون عملهم في قريتهم وحماية أملاكها؟، بدلا من الذهاب للعمل في مناطق بعيدة". وبخصوص معيقات دخول عناصر الأمن الفلسطيني إلى القرى يقول: إن "منع دخول عناصر الأمن للمناطق "ج" حسب أوسلو هذا أمر غير مقنع، ولسنا بحاجة لتنسيق لدخول قرانا وبلداتنا لأن العناصر من القرية نفسها". ويستغرب وادي من عدم إقدام أفراد الأجهزة الأمنية للقيام بواجبهم تجاه قريتهم، نظرا لقيام المزارعين والعمال بالحراسة مع أنهم يتوجهون في صبيحة كل يوم لتوفير قوت يومهم، مقابل حصول عنصر الأمن على راتب شهري خلال عمله. [title]جهود متواضعة[/title] فيما يعتبر عواد أن اللجان المشكلة للدفاع عن القرى الفلسطينية المحاذية للمستوطنات تؤدي دورا ضعيفا، مع أنها تحد بنسبة قليلة خطر أي اعتداء قد يحدث. ويضيف "إذا حدث في بعض المناطق هجوم مسلح وعنيف قد لا تكون مجدية هذه اللجان مقابل السلاح، ولكنها كخطوة على الطريق حتى يشعر المستوطن أن هذه المنطقة فيها لجان حراسه ويحسب حساب لأي خطوة ممكن أن يقوم بها". ويشير إلى أن عمل اللجان لا يمنع التمدد الاستيطاني، لأن الحراسة تكون في داخل القرى بينما المصادرة تكون على أطرافها والجبال المحيطة بها، وبالتالي فإن حرق الأشجار والمواد الكيماوية المستعملة مقدمة حقيقية للمصادرة، لكن اللجان لا يمكن لها أن تحد من التوسع الاستيطاني. ويشجع عواد أن تحذوا القرى الفلسطينية التي تتعرض للاستهداف حذو قرية قصرة، وتعميم التجربة ما بين المجالس القروية وأبناء القرية الواحدة، للحد من تخريب الممتلكات والاعتداء على المساجد لإبقاء حالة الخوف مستشرية في صفوف المستوطنين.
