web site counter

تحليل: حملة حزب أردوغان الانتخابية حُفت بالأشواك

رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان بعد فوز حزبه بالانتخابات
اسطنبول - صفا
رصد تقرير تحليلي صادر عن شبكة سياسات الإعلام والاتصال أبرز محطات حملة "حزب العدالة والتنمية" لخوض انتخابات 2014 البلدية التركية، وما واجتهها من صعوبات وتحديات. وتطرق التقرير الذي أعده الباحث في الشأن التركي حسام شاكر، إلى أساليب الحزب في الردود المباشِرة والخاطفة لمحاولة كسر موجات الحملة المضادّة في بداياتها وإعادة توجيه الضربات لترتدّ على مطلقيها. وتحدث عن الأوضاع الإقليمية وما تفرضه من ضغوط على السياسة الخارجية التركية، والنجاحات التي حققها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على كافة الأصعدة وخاصة الخدماتية منها، وما أثر ذلك على تأييد المواطنين الأتراك. وسرد التقرير الحملات الانتخابية للقوائم المتنافسة عبر شبكة الإنترنت والإعلام الاجتماعي أيضًا، وكيفية بث موادهم المصوّرة ومقاطعهم الإعلانية والدعائية، والقرار الحكومية للحد من حملات التشهير والاتهامات المضادة. وحقق حزب أردوغان فوزا كبيرا الأحد في الانتخابات البلدية حاصدا 45.5 في المائة من الأصوات في مجمل مناطق البلاد، متقدما على حزب الشعب الجمهوري المعارض الذي نال 27.9 في المائة. [b]وإليكم التقرير التحليلي: [/b] خاض «حزب العدالة والتنمية» حملته الإعلامية للانتخابات البلديات التركية، التي أجريت يوم الأحد الثلاثين من آذار/ مارس 2014، وهو يصارع المصاعب ويواجه التحدِّيات. وقد تمثّلت أبرز مصاعب الحملة وتحدِّياتها في حملة الاتهامات الضارية وغير المسبوقة ضد الحزب ورئيس الوزراء رجب طيب إردوغان بالفساد. وقد جاء ذلك وثيق الصلة بالحرب الداخلية بين الحزب وجماعة «الخدمة» بزعامة فتح الله غولن، وهي حرب عبّرت عن ذاتها في السياسة والإعلام وأجهزة الدولة وتصاعد الضغوط الخارجية. وقد ترتّبت على الحملة الضارية ضد إردوغان وحزبه مفاجآت على شكل تسريبات موجّهة، توزّعت المواقف منها بين تصديقها وتكذيبها، واتضح في كلِّ الأحوال أنّ مناوئي إردوغان وحزبه لن يتردّدوا في افتعال قصص أو حتى اختلاق فضائح ليحطِّموا الحزب والحكومة وربّما التجربة التي يقودها إردوغان بالكامل، مهما كلّف ذلك من أثمان باهظة ستتكبّدها البلاد واستقرارها الاقتصادي وأمنها القومي. وعلى التوازي من ذلك، ظلّت بعض ميادين تركيا تشهد جولات من التظاهر والاعتصام، منذ أن احتشد متظاهرو اسطنبول في اعتصام مفتوح في ميدان تقسيم، قبل تفريقهم بالقوّة التي أوقعت ضحايا. وصاحب ذلك اهتزاز بعض المؤشِّرات الاقتصادية وتراجع سعر صرف الليرة التركية التي فقدت قرابة ثلث قيمتها في سنة واحدة، وبالتالي خيّمت مخاوف من تهديد صورة النجاح الاقتصادي الباهر المصحوب بالنزاهة ونظافة اليد، التي ارتبطت بعهد «العدالة والتنمية» الحاكم منذ عام 2002. أمّا الأوضاع الإقليمية وما تفرضه من ضغوط على السياسة الخارجية التركية؛ فلم تكن حاضرة مباشرة في أجواء الانتخابات البلدية، لكنّها أخذت تتكثّف في الأيّام الأخيرة التي سبقت الاقتراع، لا سيّما مع التقارير التي أفادت بوجود مخطّطات لدى مجموعات مسلّحة تنطلق من سورية لتنفيذ هجمات في عمق الأراضي التركية. وكان يكفي تلويح إردوغان بكفّ رابعة بعد إعلان فوز حزبه ليل الأحد الثلاثين من آذار/ مارس، وإشارته إلى حصار غزة، ليؤكِّدا التأثيرات المتبادلة بين السياسات الإقليمية والدولية؛ وجولة الانتخابات المحلية، وهي حقيقة جعلت العالم يرتقب نتائج الاقتراع باعتبارها استفتاءً على وجهة تركيا ومستقبل العهد الحالي المتواصل منذ قرابة اثني عشر عاماً. [title]مواجهة الحملة الضارية ضد الحزب وقيادته[/title] واجه «حزب العدالة والتنمية» الحملة الضارية التي استهدفته، بحملة انتخابية ضخمة وباهظة التكلفة، مصحوبة بحملة سياسية وإعلامية وإجرائية مضادّة، اتّخذت أسلوب الردود المباشِرة والخاطفة لمحاولة كسر موجات الحملة المضادّة في بداياتها وإعادة توجيه الضربات لترتدّ على مطلقيها. وبهذا توالت ردود الحزب والحكومة بصفة فورية وقوية وواثقة بالذات على الاتهامات المتتابعة. فردّاً على اتهامات الفساد الإداري والمالي؛ انبرى إردوغان شخصياً لمخاطبة شعبه عقب كلّ استهداف لحزبه أو حكومته أو له شخصياً ولأفراد أسرته. ولم يتوقّف الأمر عند حدّ الحديث التقليديّ إلى الإعلام، بل خاطب رئيس الوزراء التركي البرلمان وعدداً من المؤتمرات الكبرى. كما وظّف إردوغان التجمّعات الانتخابية في أنحاء تركيا لمخاطبة الجماهير، ونجح حزب «العدالة والتنمية» في حشد جموع غفيرة تفاعلت بحماسة بالغة مع خطابات إردوغان الذي ظهر على المنصّات مع زوجته أمينة. والرسالة التي أوحت بها التجمّعات الجماهيرية الضخمة، التي حشدت عدّة ملايين من الأتراك رجالاً ونساءً؛ أنّ مصداقية إردوغان لم تتضرّر عند معظم قطاعات الشعب التركي، وهي رسالة كانت مطلوبة للغاية في توقيت حَرِج وحسّاس. [img=042014/re_1396386838.jpg]الباحث في الشأن التركي حسام شاكر[/img] لكنّ إردوغان الذي ظهر في بعض الجولات التفقّدية لمشروعات البنية التحتية، عقب هجمات المقاطع الصوتية التي تتّهم حكومته بالفساد؛ بدا مُتعَباً ومُنهَكاً أحياناً، ربّما بتأثير عوارض صحيّة وتقلّب الأحوال الجوية وتتابع الحملات المضادة، وهو ما أتاح لوسائل الإعلام المناوئة له فرصاً مبعثرة لإظهاره في هيئة ضعف نسبيّ، خاصّة وأنّ التجوال في أحوال جويّة متقلِّبة خلال الشهرين اللذين سبقا الانتخابات، يستدعي ارتداء ملابس ثقيلة داكنة اللون وتحصين العنق بمقوِّمات الدفء، بما يأتي على حساب هيئة القيادة النشطة والفعّالة المتحرِّكة في الميدان. لقد راهن الحزب على لفت الانتباه إلى أنّ اتهامات الفساد إيّاها ليست بريئة، بل هي نتاج حملات مُضادّة، وأنّ الخروج بها على النحو الذي تمّ هو افتعال من قوى متغلغلة داخل أجهزة الدولة، سمّاها إردوغان "الدولة الموازية"، وكان "ذلك القابع في بنسلفانيا"، أي فتح الله غولن، هو من يحرِّكها بالتواطؤ مع "أعداء تركيا". وقد باشرت الحكومة إجراءات "تطهير" في أجهزة الدولة مستفيدة - على ما يبدو - من تجاوز العديد من المسؤولين في الوظيفة العمومية صلاحيّاتهم وتراتبيتهم الإدارية في حجب المعلومات أو تمريرها خلافاً لما تقضي به النُّظُم الإدارية. وقد تخلّل الحملة الانتخابية تراشق سياسيّ وإعلاميّ حادّ تفاعل مع الهجمات المُسدّدة ضد الحكومة ورئيسها وحزبها. وقد اتسع قاموس المصطلحات السياسية لمزيد من المفردات في غضون ذلك، من قبيل "الدولة الموازية"، التي أزاحت المصطلح التقليدي التركي "الدولة العميقة". وبلغ الأمر حدّ استعمال مصطلحات "الخيانة" في التراشق السياسي، خاصّة مع التسريبات المتعلقة بمداولات كبار قادة الدولة بخصوص سورية واحتمال تنفيذ عمل عسكري فيها. ويرسم ذلك احتمالات عدّة لمآلات هذا التراشق، ابتداء في ما يتعلّق بمستقبل جماعة «الخدمة» بزعامة فتح الله غولن، داخل تركيا وخارجها، وبشكل أعمّ بمخاطر تحوّل الاصطفاف الانتخابي في البلاد إلى انقسام يتجاوز المجتمع السياسي إلى المجتمع المفتوح. [title]الحملة الانتخابية ورسائلها الإعلامية [/title] تضمّنت حملة «العدالة والتنمية» لانتخابات 2014 البلدية، رسائل متعدّدة تضافرت لتأكيد جدارة الحزب ومرشّحيه بأصوات الناخبين في عموم تركيا، ولإظهار إرادته الصلبة التي لا تعبأ بالحملات المُضادّة. وبرزت في هذا السياق رسالة الاستمرارية في الأداء الناجح، وهو ما تجسّد في كلمة "دائمة" التي تردّدت بشكل موسيقي في الشعار الانتخابي المركزي الذي اعتمده الحزب، "أمّة دائمة، خدمة دائمة" (بالتركية: "دايمه مِلّت، دايمه هِزمِت")، وما تفرّع عنه من شعارات مُحوّرة من الأصل، بما يتماشى مع خصوصيّات البلديات كلّ على حدة. وتحاشى الحزب مع ذلك نثر الوعود الفضفاضة، بل ركّز على إنجازات محدّدة بصدد الاستكمال، تتمثل في مشروعات عملاقة كالمدن الجديدة والجسور العملاقة وإنشاء المزيد من المطارات والمشافي والمدارس والجامعات وشبكات الطرق الحديثة والأنفاق التي تخترق الجبال، مع استصحابها برسائل تتعلّق بالخدمات الاجتماعية وإسناد الشرائح الضعيفة. وقد تفاعلت الحملة أيضاً مع المشاعر الوطنية، فأبرزت قيمة تماسك الشعب التركي في مواجهة التحدِّيات والمصاعب. وما يلفت الانتباه؛ أنّ استثارة الحسّ الوطني من قبل الحزب قد تجاوز النزعة القومية التقليدية؛ وذلك عبر الإشارة الضمنية إلى التنوّع الداخلي في المشهد التركي كما عبّر عنه الفيلم الدعائي القصير الذي يعتمد أسلوب الترميز: "أمّة متماسكة .. تركيا لا تُقهر"، الذي أنتجه الحزب ضمن حملة الانتخابات البلدية التركية، كما في الوصلة: https://www.youtube.com/channel/UCBmpG0ws61f9fD0x2QQnK0Q وقد جاءت مفردة "الخدمة" (بالتركية "هِزْمِت")، في مركز الحملة الإعلاميّة التي خاض بها الحزب المعترك الانتخابي. ولهذه الكلمة مخزونها التعبيري المباشر والعميق ومتعدِّد الأوجُه. فالرسالة الأهمّ أنّ الحزب بقيادته ومرشّحيه يعمل في خدمة الشعب والوطن والمجتمعات المحليّة، وهو بذلك قريب من المواطنين والمواطنات. إنها المُفردة التي تقدِّم الإنجازات بما يجعلها مُسَخّرة لعموم الجمهور، فلا تكون النجاحات المتعدِّدة والمشروعات العملاقة على حساب العدالة الاجتماعية أو الفئات الضعيفة. لكنّ لفظة "الخدمة" تعيد إلى الأذهان قضيّة "جماعة الخدمة" التي أعلنت الحرب على إردوغان وحزبه قبل الحملة الانتخابية بشهور عدّة، بما جعل الشعار الانتخابي يبدو تعبيراً مقصوداً أو غير مقصود، عن توجّه لسحب البساط من تحت أقدام الجماعة التي يقودها غولن، ذات النفوذ الواسع. أمّا النجاحات التي تم إنجازها، مثلاً من قبيل نفق مرمراي الواصل بين شطري اسطنبول الآسيوي والأوروبي، فجرى إبرازها في صورة مكتسبات على الطريق بانتظار استكمالها وتحقيق المزيد من الإنجازات، وتأتي ضمن ذلك الإشارات إلى حزمة المشروعات العملاقة والتحسين الشامل الذي تتضمّنه أهداف استراتيجية 2023. وفي ذلك إشارة ذات دلالة إلى أهمية إعطاء «العدالة والتنمية» الفرصة لمتابعة الإنجازات واستكمال مسيرة النجاح. ولهذا أهميته المُضافة في أهمية تلافي مشاعر السأم التي تعتري بعض الناخبين عادة من الأحزاب التي تمسك بالحكم مدّة طويلة، بما يولِّد الرغبة في التصويت لحزب مغاير بغرض التجديد، خاصّة مع صعود جيل تركي جديد لم يعايش حكومات الأحزاب السابقة. وقد تمثّل أبرز تعبير عن معنى الحاجة إلى الاستمرار والمتابعة؛ في الحملة الانتخابية التي خاضها رئيس بلدية اسطنبول الكبرى، قادر توباش، الذي ظهر في الإعلانات مرتدياً خوذة الإنشاءات الزرقاء الخاصّة بمديري المشروعات في البلدية. وقد افترش هذا الإعلان واجهات المشروعات الإنشائية العملاقة، كتلك التي يجري العمل فيها على قدم وساق بالقرب من ميدان تقسيم مثلاً، والرسالة الضمنية أنّه لم يخلع الخوذة وعليه إكمال مشروعاته العملاقة، فيجدر انتخابه. وقد أدار «حزب العدالة والتنمية» حملته للانتخابات البلدية بالمزاوجة بين مخاطبة المجموع الوطني التركي، بصفة الأمّة أو الشعب، ومخاطبة الخصوصيّات المحلِّيّة للمناطق والشرائح والطبقات والأطياف المتنوِّعة في التركيبة السكانية في تموْضعها الديني والثقافي والوظيفي. ويمكن ملاحظة ذلك مثلاً في المقاطع المتلفزة التي بثّها الحزب عبر القنوات التركية ومن خلال الإنترنت والشبكات الاجتماعية؛ وهو ما تُجمِله الوصلة التالية: https://www.youtube.com/watch?v=6dyUXf2G0E8 كما جاءت حملة الحزب في مستوى وطني وآخر محلي، فحملة المستوى التركيّ الجامع تصدّرها رجب طيب إردوغان وانتشرت موادها الإعلامية في عموم تركيا، أما في المستويات المحلية فقد أبرز الحزب مرشّحيه لرئاسة البلديات كلّ على حدة؛ أو بصحبة إردوغان أيضاً بما يهدف إلى تعزيز رصيد المرشحين عبر استصحاب شعبية رئيس الوزراء، خاصّة مع تطواف إردوغان في أرجاء تركيا ومخاطبته الجماهير في التجمّعات الانتخابية. الابتسامات والتواصل البصري وترميز الزعامة أبرزت حملة «حزب العدالة والتنمية» زعيم الحزب ورئيس الوزراء، رجب طيب إردوغان، في صورة القائد الصّلب، ذي التصميم والإرادة والاقتدار على متابعة الإنجاز، دون أن يعبأ بالحملات المُضادّة لتجربته أو تجربة حزبه وحكومته. وقدّمت الحملة مرشّحي الحزب لرئاسة البلديات، في هيئة توحي بالنجاحات والثقة بالذات؛ عبّرت عنها ابتساماتهم بوضوح. فالابتسامة المرسومة مثلاً على وجه مصطفى دمير، رئيس بلدية فاتح التي تتربّع على قلب اسطنبول التاريخية؛ جاءت كغيرها من ابتسامات زملائه من مرشّحي «العدالة والتنمية» في اللافتات الانتخابية والمواد الدعائية التي تمّ توظيفها في الحملة. ولابتسامة دمير، مثلاً، مغزى ذو دلالة، بعد استهدافه شخصياً باتهامات الفساد المثيرة للجدل. أمّا خلوّ صور إردوغان في مواد الحملة الانتخابية من الابتسامات؛ فيتناسب مع هَيْبة القائد ذي الإرادة الصلبة التي لا تتزعزع. لقد قدّم مصمِّمو هذه الحملة الإعلامية معظم مرشّحي «العدالة والتنمية» لرئاسة البلديات وهم يتوجّهون بصرياً إلى الجمهور، أي في حالة التقاء بصري مباشر، مصحوبة بالابتسامات التي تبعث على التفاؤل والارتياح وتُعين على التواصل الإيجابي بين المرشّح والناخب. لكنّ صور إردوغان لم تأتِ في هيئة توجّه مباشر، بل جاءت مع استدارة نسبيّة في الرأس لا تتيح المجال للالتقاء البصري المباشر، بما يجعل الجماهير في موقع التعلّق بالزعامة التي تواصل مسيرتها بين إنجازات الماضي ووعود المستقبل. إنّ صعود زعامة إردوغان وتصويره على هذا النحو؛ يتفاعل حتماً مع مخزون الزعامة الرمزية في الوعي الجمعي التي احتكرها مؤسِّس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك. وبهذا المعنى فإنّ إبراز إردوغان يستبطن مشهد الزعامة ذاته، ولكنّه يزاحم الزعيم الذي يمثل "أبا الأمّة"، أي أتاتورك الذي لا يكاد يتوجّه ببصره إلى الجمهور مباشرة، بل تقدِّمه الصور والمواد الدعائية في هيئة القائد الملهم الذي تحيله زوايا التصوير أو الرسوم إلى مقاييس صنميّة تضخيميّة. [title]تسخين الإعلام الاجتماعي[/title] خاض «حزب العدالة والتنمية» حملته الانتخابية عبر شبكة الإنترنت والإعلام الاجتماعي أيضاً، شأن غيره من الأحزاب التركية المتنافسة، فبثّ في الشبكة مواده المصوّرة ومقاطعه الإعلانية، وتغطيات عن التجمّعات الانتخابية، وتسجيلات المقابلات المتلفزة مع قادة الحزب. لكنّ الجولة الانتخابية الأخيرة شهدت استعمالاً لمواقع التواصل الاجتماعي في ترويج مواد حملة التشهير والاتهامات المضادّة لإردوغان وحزبه، من قبيل المواد الصوتية المثيرة للجدل التي سُمِّيت "حرب الكاسيت". ولم تكن هذه هي التجربة الأولى من نوعها في الحياة السياسية التركية، فقد سبق الجولات الانتخابية الماضية تسريب فضائح عبر الإنترنت والشبكات الاجتماعية ألحقت الأذى بقيادات في «حزب الشعب الجمهوري» و«حزب الحركة القومية»، وكلاهما ممثّل في البرلمان التركي اليوم. وقد تخلّل المعترك الانتخابي تطوّرٌ فائق الحدّة في الأيّام الأخيرة التي سبقت الاقتراع الحاسم، تمثّل في الحملة التي قادها إردوغان شخصياً ضد بعض مواقع التواصل الاجتماعي، خاصّة «تويتر». وبدت هذه مجازفة من قيادة الحزب بإجراءات مثيرة للجدل ولا تحظى بالشعبية في منعطف حَرِج كاللجوء إلى أسلوب الحجب، وقد برز تبايْن في هذا الشأن بين موقفيْ إردوغان ورفيق دربه رئيس الجمهورية عبد الله غُل. وقد جاء تبرير قيادة إردوغان لحملتها ضد بعض مواقع التواصل الاجتماعي محفوفة بخطاب يستحضر شعور الأمّة التركية بالعزّة والثقة بالنفس وعدم الرضوخ لضغوط تلك المواقع ومن يؤيِّد مواقفها، خاصّة مع تأكيد إردوغان أنّ تركيا لا تسمح بالتعامل معها كأنها من دول العالم الثالث. وعلاوة على رغبة الحكومة التركية في فرض شروطها على الشركات التي تدير أهم المواقع الاجتماعية؛ تُساق فرضيّات عدّة في تفسير الحملة الحكومية على بعض تلك المواقع، مثل «تويتر» و«يوتيوب»، منها الرغبة المُسبَقة في كبح أي تحرّكات جماهيرية مناوئة للحكومة التركية بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات البلدية. ولاشكّ أنّ تلك الشبكات كانت فضاء تواصلياً أساسياً للتجمّعات التي شهدتها عدد من المدن التركية منذ أحداث حديقة جيزي في منطقة تقسيم في اسطنبول. لكنّ ناشطي الشبكات الاجتماعية عمدوا إلى التواصل عبر خيارات شبكية بديلة أتاحت لهم "التغريد" بوسائل التفافيّة حتى بعد حجب «تويتر». [title]مزايا تنافسية لمرشّحي «العدالة والتنمية» وإشكالية الفصل بين المسؤولية العامّة والحضور الحزبي[/title] من المزايا التنافسية التي حظي بها مرشّحو «العدالة والتنمية»؛ أنّ وفرة منهم وجوه معروفة ومألوفة لعموم الجمهور في الدوائر الانتخابية؛ من واقع إدارتهم العديد من البلديات في دورات انتخابية متعاقبة، بينما خاض معظم منافسيهم المعترك الانتخابي وهم يواجهون تحدِّي تقديم أنفسهم للجمهور للمرّة الأولى. ومن المزايا التنافسية المؤكّدة، إمكانية الاستفادة المباشرة أو غير المباشرة، من البلديّات التي يقودها «حزب العدالة والتنمية» في الدعاية الرامية لانتخاب مرشّحيه في جولة جديدة، علاوة على أنّ هذه البلديات شهدت إجمالاً إنجازات ونجاحات في الأداء. فمقارّ البلديات، ومرافق الخدمات التي تتبعها، وحتى حافلات النقل العام التي تديرها؛ تتحوّل بوسائل متعدِّدة إلى ما يشبه الوسائط الدعائية لرؤساء البلديات الذين هم مرشّحون أيضاً لرئاستها في الجولة الجديدة. وتجسِّد هذه المسألة إشكالية حسّاسة في الحملات الانتخابية؛ تتعلّق بالحدود الفاصلة بين الدعاية الحزبية الصرفة والفرص الدعائية التي تتيحها المواقع العامّة حكوميّاً وبلديّاً. ولا تقتصر هذه الإشكالية على تركيا، فهي ظاهرة تسجِّل حضورها بوضوح في عدد من الدول الأوروبية التي تشهد حالات تدفع فيها الموازنة العامة من جيوب دافعي الضرائب نفقاتٍ إعلانية لتقديم المسؤولين في هيئة مخاطبة الجمهور عن الخدمات التي يقدِّمونها، بما يعزِّز الدعاية الحزبية والانتخابية بشكل مباشر أو غير مباشر.

/ تعليق عبر الفيس بوك