النقب المحتل – رشا بركة – صفا
"أن أهدم بيتي بيدي أشرف لي من التنازل عن أرضي" خطوة أقدم عليها المواطن الفلسطيني لبّاد أبو عفاش لوضع حد لأساليب الترغيب المتكررة التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي معه بتخييره بين هدم المنزل أو التأجيل مقابل التوقيع على ورقة تلزمه بالإخلاء لاحقًا. وبالرغم من إلغاء مشروع قانون مخطط "برافر" التهجيري الذي يستهدف بدو النقب المحتل إلا أن خطوات على الأرض تصحبها مفاوضات مكثفة تجريها لجنة توطين البدو التابعة لوزارة الأمن الداخلي الإسرائيلي لتنفيذ المخطط بشكل سري. وكان تقرير للوزارة قال مؤخرًا إن "برافر" ينفذ في الهدوء، كاشفًا عن بعض الوسائل التي تستخدم للضغط على السكان لحملهم على الدخول في مفاوضات مع "سلطة توطين البدو" حول تطبيق القانون الذي تم إعلان إلغائه بعد المظاهرات والاحتجاجات العارمة التي شهدتها البلاد. ويدعي التقرير الإسرائيلي أن العديد من العشائر البدوية في النقب دخلت في مفاوضات مع السلطات لتنظيم إخلاء أراضيها والانتقال للسكن في تجمعات سكانية قائمة، موضحًا أن الوزارة هدمت 697 مبنى في النقب خلال عام 2013. [title]محاولات يومية[/title] ويقول أبو عفاش الذي يقطن قرية وادي النعام في النقب "بالفعل كل يوم يأتوا هنا ويحاولوا جمع أكبر عدد من الناس للاجتماع بهم وإغراءهم بمبالغ مالية مقابل ترك بيوتهم والانتقال للعيش في قرى مجاورة". وتتنوع وسائل الاحتلال في محاولة إخلاء البدو من قراهم ما بين ترغيب وترهيب، حيث تبدأها بترغّبهم في حياة مستقرة تتوفر فيها كافة وسائل الراحة والمعيشة بمناطق أخرى أبرزها قرية "شقيب السلام". وكما يقول أبو عفاش الخمسيني لوكالة صفا "قالوا لنا خلال إحدى الجلسات إنهم سيوفروا لنا في شقيب السلام كل شيء من وسائل وشوارع للمواصلات ووسائل بناء وشبكات مياه ومصادر دخل وكثير شغلات". كما يعرض عناصر وزارة الأمن على المواطنين تأجيل هدم منازلهم مقابل التوقيع على ورقة اتفاق تلزم عليه الخروج في حال طُلب منه لاحقًا. ويضيف أبو عماش "من سنة 1977 ونحن في هذا الموال يعرضوا علينا أموال مقابل أن نرحل، ولو في بنوايانا نطلع كان من زمان طلعنا، لكن هذه قرانا ولا نفارقها لأنها مصدر عيشنا ومواشيها تطعم 85% من أهلها". وفي حالات رفض المواطنين لعروض الترغيب في الرحيل تعود الوزارة إلى أساليب الترهيب مجددًا، حيث تخير المواطنين ما بين هدم منزله بنفسه أو أن تأتي الجرافات للتنفيذ مقابل أن يدفع أجرة هذه العملية التي تفوق الـ100 ألف شيكل. [title]"لم نفاوض أحد"[/title] ويقول عضو لجنة توجيه عرب النقب جمعة الزبارقة إن أي من الجهات التي تمثل البدو لم تفاوض ما يسمى بلجنة توطين البدو أو غيرها وأصلاً لم يتم دعوتنا كلجنة لأي مفاوضات وحتى في حال ذلك فإن الأمر مرفوض ولا أحد يقبل بنقل القرى مطلقًا. ويضيف لوكالة "صفا" أن الحكومة في أعقاب الاحتجاجات التي شهدتها البلاد ضد "برافر" عملت على تجميده من ناحية تشريعية، ولكن الهدم متواصل وبشكل يومي على أرض الواقع. ويشير إلى أن سلطات الاحتلال فاوضت العديد من البدو بشكل فردي لكن نتيجة هذه المفاوضات صفر، بل إن كل من هدمت منازلهم قاموا بنصب الخيام في نفس المكان ولم ينتقل أحد لمكان أخر بالمطلق. وكما يقول "الصراع ليس على المباني والحجارة بل هو صراع على الأرض، ولذلك فإن العديد من الناس هدموا منازلهم بأيديهم من أجل توفير تكاليف أجرة الهدم التي تفرض عليهم حينما تقوم الجرافات بها". ويصف عضو لجنة المتابعة في النقب عطية الأعسم العروض والوسائل الترغيبية للسكان البدو بأنها هزيلة جدًا، مؤكدًا أنه ونتيجة لرفضهم فإن هناك تصاعدًا في وتيرة الهدم في كل القرى المسلوبة الاعتراف. ويقول لوكالة "صفا" إن العدد يتعدى ما ذكر في التقرير الإسرائيلي، ففي عام 2013 تم هدم أكثر 1200 منزل ومحل دون أي اتفاق وبشكل همجي، ومنذ بداية عام 2014 هدموا فوق الـ100 منزل. وتعتبر قرية العراقيب من أكثر قرى النقب تعرضًا للهدم، حيث هدمتها جرافات الاحتلال 66 مرة إضافة لقرية وادي النعام التي تتعرض أيضًا لعمليات هدم، مع العلم أن عدد سكان القرى المهددة أكثر من 110 ألف مواطن. وتتعمد سلطات الاحتلال ترك المواطنين لإتمام بناء منازلهم بشكل كامل ومن ثم يأتوا بإخطار الإخلاء والهدم، ويفسّر الأعسم هذا بقوله "هذه سياسة لكبح جماح المواطنين وارغامهم لترك المنطقة. ومن ناحية ثانية فإن هدم منزل كامل يجني لسلطات الاحتلال ضرائب أكثر من صاحبه تتراوح ما بين الـ70 وحتى الـ100 ألف شيكل وفقًا لحالة المنزل. [title]سيعاد طرح القانون[/title] ويؤكد النائب في الكنيست الإسرائيلي باسل غطاس أن مزاعم الاحتلال برحيل العديد من سكان القرى البدوية لأماكن أخرى ضمن الاتفاق مع لجنة التوطين جزء من الحرب النفسية الممارسة ضد سكان القرى. ويقول لوكالة "صفا" إن القانون يطبق على الواقع قبل وبعد تجميده ولم يتوقف، وسلطات الاحتلال تستخدم في تنفيذه سياسة العصا والجزرة، مؤكدًا أن القانون لا علاقة له بتوطين البدو وإنما يهدف بشكل أساسي ووحيد إلى إنهاء ملكية الأرض. ويضيف أن أحدًا من هؤلاء البدو لم ولن يتنازل عن أرضه لأن القضية بالنسبة إليهم قضية حق، ولهذا يقيموا في خيامهم متحملين الهدم والتضييق والأوضاع المعيشية الصعبة هناك. وعلى الصعيد البرلماني للقانون، يجزم غطاس على أن الكنيست سوف تعيد طرح مشروع القانون مجددًا بعد انتهاء عطلتها في شهر مايو المقبل. وينوه إلى أن الكنيست كانت تعتزم إعادة طرحه الشهر الماضي ولكن تم تأجيله لانشغالها بإقرار قوانين عنصرية أخرى. وحول دور النواب لمواجهة القانون، يقول "نحن مستمرون في دورنا وهو معنوي بشكل أساسي لأن ميزانية وقرارات الكنيست بيد اليمين المتطرف الذي لا يوفر وسيلة ولا قانون للتضييق على الفلسطينيين أينما كانوا، ولهذا لا نعوّل عليه في إلغائه في حال تم طرحه". ويؤكد أن النواب العرب وبالتعاون مع لجنة المتابعة العليا ومؤسسات عربية ويهودية رافضة لسياسة هدم المنازل تواصل دورها في الدعم المعنوي لأصحاب الأراضي في القرى مسلوبة الاعتراف في ظل موجة الانتهاكات والهدم التي يواجهونها. وفي حال تم إعادة طرح قانون "برافر" فإن موجة مواجهة واحتجاجات جديدة ستشهدها معظم المناطق الفلسطينية سيصحبها مواجهات عنيفة، وفق ما لوّح به غطاس ومن قبله النائب جمال زحالقة.
