رفح – هاني الشاعر- صفا
أطفأت شمعة نور الحياة للطفلتين ملك وغنى اللتين لم تتجاوزا عامين ونصف من أعمارهما، وحاولتا عبثا الصراخ طلبا للنجدة من نيران التهمت جسديهما الغض الضعيف في منزل عائلتهما في مدينة رفح جنوب قطاع غزة. كانت النيران- التي أزهقت روحيهما وأصابت شقيقتيهما ندى (ست سنوات) وشهد (عشر سنوات) اللتين أصيبتا بجراح بالغة- تسابق شقيقهم محمد (ثماني سنوات) الذي استيقظ على صراخ أخواته، وهاله رؤيتهن محاصرات بين النيران، ويحتضن بعضهن بقوة، في غرفتهن بمنزلهم الصغير غرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة. فسارع "محمد" ذو الجسم النحيف للخروج من الغرفة قفزًا من فوق النار مسرعا، وهو ينادي "ماما.. ماما.. ماما.. الغرفة انحرقت وإخواتي إنحرقوا إلحقي.!"، فهرعت الأم من غرفتها التي كانت مغلقة ولم تكن تسمع بعد أصوات أطفالها. وأخرج الطفل والدته التي بدأت بالصراخ فور أن شاهدت النيران تلتهم غرفة أطفالها، ولم تستطع فعل شيء بعد أن زادت النيران والدخان، فهربت من باب شقتهم السكنية المكونة من غرفتين وحمام وصالون صغير ومطبخ، بمساحة لا تتعدى 70 مترًا. ووقفت الأم على مدخل الشقة تصرخ هي وطفلها "محمد"، فيما كان الأطفال داخل الغرفة يصرخون، وما هي سوى دقائق حتى هرع رب الأسرة الذي كان متواجد أسفل المنزل برفقة أقربائه، وحاولوا الدخول للمنزل. [title]النيران تفرقهما![/title] وحاول الوالد أن يرتدي قطعة قماش مبللة بالماء ويعبر وسط النيران، ملبيًا نداء أطفاله، وتمكن من انتشال طفلته ندى وهي محترقة بالكامل لخارج الغرفة. وتسلم أحد أقربائه طفلته وأخرجها لخارج الشقة، في الوقت الذي وصلت فيه طواقم الإسعاف والدفاع المدني، لكن الوالد عاد مُجددًا ليدخل لغرفة أطفاله بعد ان فقد الوعي قليلاً، جراء استنشاق الدخان ومشاهدة أطفاله مُتفحمين. ويُصاب الوالد بإغماء مُجددًا على أعتاب الغرفة المحروقة، والتي أتت على كل ما فيها، وحولت أجساد طفلتيه "ملك وغنى لقطع مُتفحمة"، وسارع أقرباؤه وطواقم الدفاع لحمله بعدما أصيب أيضًا بحروق طفيفة بشعره ووجه ويديه وأنحاء أخرى من جسده. ولحظة حمل الوالد سمع صوتًا يقول "البنات ماتوا"، فلم يكنّ بمقدوره فعل أي شيء قبل أن يصل مستشفى الشهيد أبو يوسف النجار بالمحافظة، ويتلقى العلاج الأولى ويستفيق ويقف على قدميه، ويبدأ بتفقد أطفاله وما حل بهم. وعاد الوالد في الصباح الباكر لتفقد منزله بعد أن سمح له بالخروج من المستشفى، وخر باكيًا وهو يرى ما تبقى من ملابس أطفاله وفراشهم وأحلامهم التي صهرتها نيران شمعة الحصار الوحشية، التي لم تترك شيئًا إلا وأتت عليه، ليكتفي بالقول في رسالته الأخيرة "حسبني الله ونعم الوكيل على اللي كان السبب، وكل جهة مساهمة بالحصار هي من تتحمل المسئولية". وتساءل "ما ذنب أطفالي يموتون وأنا أنظر إليهم؟!، تصهر أجسادهم وأن لا أقدر على فعل شيء!، وكدت أن أكون بلحظة مثلهم"، مشددًا "لا بد أن يتحرك جميع المسئولين ويضعوا حدًا لأزمة الكهرباء، كفى.. كفى.. كفي..". ويوضح أحد الأقرباء والجيران يحيى شيخ العيد لـ "صفا" أنهم كانوا بالشارع لحظة الحريق، وشاهدوا الدخان يخرج من نوافذ المنزل، وصراخ الأم وأطفالها يتعالى من داخله، فهموا مسرعين لإنقاذهم وإخماد الحريق قبل أن تصل قوات الدفاع المدني وتنقلهم جميعًا وتخمد الحريق. ويصف ما شاهده بالقول: "كان مشهدا مؤلما جدًا، فأجساد الأطفال محترقة تمامًا ومتفحمة، وجلودهم صُهرت، وأثاث المنزل دمر بالكامل، فالنيران لم تترك شيئًا إلا وأتت عليه". وحصد الحصار المشدد على قطاع غزة للسنة الثامنة على التوالي عشرات الأرواح، بسبب الانقطاع اليومي للكهرباء لمدة ثماني ساعات، وفي ظل نقص الوقود وارتفاع أسعاره، نتيجة إغلاق الأنفاق الحدودية مع مصر، والتي كانت تمد القطاع بالوقود المصري.
