غزة – رنا شمعة – صفا
رجح محللون سياسيون لجوء الرئيس محمود عباس إلى خيار تمديد المفاوضات بعد انتهاء الموعد المحدد لمفاوضات التسوية الدائرة بين السلطة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي، والتي من المقرر لها في التاسع والعشرين إبريل القادم، مقابل بعض الإغراءات الأمريكية، كالإفراج عن أسرى أو تجميد الاستيطان. ويواجه الرئيس عباس ضغوطًا أمريكية شديدة للقبول "باتفاق الإطار" الذي بلوره وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ومساعدوه طوال الأشهر الأخيرة. وحث الرئيس الأمريكي باراك أوباما الاثنين الرئيس عباس خلال لقائه بواشنطن على اتخاذ قرارات صعبة والإقدام على "مجازفات" من أجل تحقيق السلام مع "إسرائيل"، قائلًا إنه يأمل أن يشهد تقدمًا في الأسابيع القادمة في المفاوضات التي تجري بوساطة أمريكية. وتعني تلك "المجازفات" تنازل القيادة الفلسطينية عن أي حل عادل وشامل في الثوابت الوطنية، كحق عودة اللاجئين، والتنازل عن القدس والأغوار، والحدود، وكافة قضايا الحل النهائي، وكذلك التسليم "بيهودية الدولة"، وفق ما رأى المحللون. [title]ضغوط كبيرة[/title] ورأى المحلل السياسي ناجي شراب أن أمام السلطة خيارين إما توقيع "اتفاق الإطار"، وبناءً عليه سيتم تمديد المفاوضات، أو تقديم "إطار اتفاق" للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لمناقشته خلال مدة زمنية دون التوقيع عليه، وقد يكون ذلك مبررًا لتمديد المفاوضات. وأوضح أن في ضوء الضغوطات الدولية والتحولات الإقليمية فإن خيار تمديد المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي هو الأرجح. وحول ما يعنيه الرئيس أوباما باتخاذ قرارات صعبة والإقدام على "مجازفات"، أكد شراب أن قرار السلام قرار صعب، و"المجازفة" يعني التسليم "بيهودية الدولة"، وكذلك بمبررات "إسرائيل" الأمنية في غور الأردن، بالإضافة إلى قضية اللاجئين والأمن والحدود. وشدد على أن الرئيس عباس سيتعرض خلال الأيام القادمة لضغوطات أمريكية ودولية أكبر بشأن عملية التسوية، ولكنه أكد أن هناك مكونات لها سمة القدسية لا يمكن للمفاوض الفلسطيني أن يتجاهلها. بالمقابل، تساءل "ما الذي يمكن أن تقدمه إسرائيل للعملية السلمية"، لافتًا إلى أن نتائج لقاء أوباما وعباس سواء كانت ايجابية أو سلبية ستتضح مع انتهاء مدة المفاوضات في 29 إبريل المقبل، فإما توقيع إطار الاتفاق أو الذهاب إلى تمديد المفاوضات. ويتفق المحلل السياسي سامر عنبتاوي مع شراب في أن القيادة والرئيس عباس يتعرضون لضغوط أمريكية للمضي قدمًا في خطة كيري المجحفة والقبول بها، وبالتالي تقديم الكثير من التنازلات الفلسطينية. ورأى أن أمام القيادة وعباس ثلاثة خيارات، أولها رفض الخطة بشكل كامل والعودة للشعب الفلسطيني بالقول "إننا حافظنا على كل الثوابت الوطنية، وبالتالي بتحمل الضغوط السياسية والاقتصادية التي قد تنجم عن رفضهم لتلك الخطة". والخيار الثاني –وفق عنبتاوي- القبول بخطة كيري مع بعض التعديلات اللغوية التي لا تمس الجوهر، ومحاولة تسويقها للشعب الفلسطيني بشكل جيد كما حصل في اتفاق أوسلو. أما الخيار الثالث، اللجوء لتمديد المفاوضات مع بعض التطمينات الأمريكية، والقول "بأن المفاوضات قد قطعت شوطًا كبيرًا، وأن أبو مازن لن يوافق على الشروط الإسرائيلية، ولم يقدم أي تنازلات تمس الثوابت الوطنية"، وقد يكون هذا الخيار الأرجح للخروج من المأزق. [title]تنازلات فلسطينية[/title] ولا يخفي عنبتاوي خشيته من تمديد المفاوضات مقابل بعض الإغراءات للقيادة، كالإفراج عن أسرى من سجون الاحتلال، مؤكدًا أن ذلك يعطي "لإسرائيل" فرصة لكسب الوقت للمضي في مخططاتها الاستيطانية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرض أمر واقع على الأرض، مما يشكل ضررًا كبيرًا على القضية الفلسطينية. ويبين أن التمديد سيكون في صالح "إسرائيل"، فهي تستغل فترة المفاوضات لصالح مضاعفة الاستيطان وتهويد القدس، والاستمرار في إجراءاتها الأمنية بمنطقة الأغوار وغيرها، وصولًا لتحقيق هدفها الأساسي وهو بسط سيطرتها على الأراضي الفلسطينية. ورغم خشيته من أن تنصاع القيادة الفلسطينية للضغوط الأمريكية، إلا أنه أكد تمسكها بموقفها الرسمي رفضها لخطة كيري وتمديد المفاوضات. ويشدد على أن الرئيس الأمريكي يريد من السلطة تقديم "مجازفات"، مما يعني التنازل عن أي حل عادل وشامل في الثوابت الوطنية كحق عودة اللاجئين، والتنازل عن القدس والأغوار، وكافة قضايا الحل النهائي. بدوره، قال المحلل السياسي هاني المصري إن تجربة استئناف المفاوضات بلا شروط فلسطينيّة، ووفقًا للشروط الإسرائيليّة ممكنة في ضوء تصريحات مسؤول مجهول تدلل على أن هناك مخاطر من أن تمدد المفاوضات مقابل ترضيات. وأشار في مقالة له إلى أن هناك سابقة وافق فيها الرئيس عباس على استئناف المفاوضات مقابل إطلاق سراح أسرى ما قبل أوسلو، وتجميد التوجه للأمم المتحدة، وحتى من دون تجميد الاستيطان، محذرًا من القبول باتفاق الإطار أو حتى تمديد المفاوضات إلى نهاية العام بهدف التوصل إلى اتفاق سلام. وبين أن حجة المنادين بتمديد المفاوضات هي أن الرفض سيحمل الفلسطينيين مسؤولية فشل الجهود الأمريكية في ظل وضع عربي غير مناسب لهم، ما سيفتح الباب لقطع المساعدات الأمريكية، وربما إغلاق مكتب المنظمة بواشنطن وإخراجها من دائرة اللاعبين السياسيين بالمنطقة، وربما وقف أو تقليل مساعدات أوروبيّة ودوليّة أخرى. ورأى هؤلاء بأن هذا الأمر سيفتح الباب لمزيد من انقسام، بل وتشظي الحركة الفلسطينيّة، كما سيفتح الباب لانسحاب الإدارة الأميركيّة من المساعي المبذولة لحل النزاع، وإطلاق يد "إسرائيل" ضد الفلسطينيين ووقف تحويل العائدات الجمركيّة للسلطة. وحسب المصري، فإنه منذ عشية المفاوضات وحتى الآن حصل تراجعًا في الموقف الأمريكي، حيث أصبحت الإدارة الأميركيّة تقترب من المواقف الأكثر يمينيّة في "إسرائيل" بالنسبة للدولة اليهوديّة والقدس والاستيطان واللاجئين، وغيرها. كما حدث تراجعًا في الموقف العربي حتى عن سقف مبادرة السلام العربيّة الهابط أصلًا، من خلال زيادة تدخله السلبي في الملف الفلسطيني عبر موافقة لجنة المتابعة العربيّة على مبدأ "تبادل الأراضي" وعلى استئناف المفاوضات وفق الشروط الإسرائيليّة. ووصل الأمر- وفق المصري- ببعض البلدان العربيّة أيضًا إلى حد الموافقة على مطلب الاعتراف "بإسرائيل كدولة يهوديّة"، وببعض البلدان الأخرى إلى حد الاستعداد للموافقة على هذا المطلب إذا وافق عليه الفلسطينيون، ما يستدعي المزيد من الضغوط الأميركيّة والإسرائيليّة على الفلسطينيين.
