نابلس – خاص صفا
ما يزيد على مليون دونم من الأراضي التابعة للمزارعين في الضفة الغربية سرقها المستوطنون بطرق ملتوية وأساليب التفافية لإضفاء شرعية قانونية على عمليات تزوير الأملاك. ورغم قدرة الاحتلال ومستوطنيه على السيطرة على الأراضي بقوة السلاح، إلا أنهم ينتهجون حيلا لتبرير عمليات التزوير، للحد من الاصطدام بالرأي العام المحلي والدولي، إضافة لعرقلة جهود مؤسسات حقوق الإنسان في الكشف عن مصادرة الأراضي. الباحث في شؤون الاستيطان خالد معالي يقول في حديث لوكالة "صفا": إن "الاحتلال صادر مئات آلاف الدونمات بقرارات عسكرية صدرت عن مسؤولين عسكريين في الجيش بعد عام 67، إلا أن النهج القديم الجديد يمنح المستوطنين مصداقية أكثر، وتبقى فرص الاعتراض على سرقة الأراضي قليلة إلا من قبل صاحبها". ويوضح معالي أن المستوطنين اتبعوا أساليب للتمويه على سرقة الأراضي رغم قدرتهم على مصادرتها بقوة السلاح وبدعم من جيش الاحتلال. واستعرض أبرز الأساليب والتي تتمثل بسرقة الأراضي تحت قانون أملاك الغائبين، فتصبح الأراضي تحت تصرف المستوطنين لغياب أصحابها قسرا في دول الشتات، وإحضار أوراق مزورة يدّعون أنها ثبوتية، بإمضاءات وتواقيع مزورة على أنها تعود لأصحابها الأصليين. ويدلل على ذلك من خلال مطالبة الاحتلال للمواطن عبد الرحيم شقير من بلدة عزون شرق قلقيلية بدفع غرامة مالية 4 آلاف شيقل، لمنعه من العمل في أرضه وزراعتها، بحجة أنها أصبحت تحت تصرف الاحتلال، رغم أنها ملكا له ولأشقائه ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. وينوه إلى أن الجيش يدعم المستوطنين في هذا الاتجاه، من خلال التوجه إلى بيوت أصحاب الأراضي في ساعات الفجر، وإبلاغهم بأنه جرى نقل الأملاك، ومن حقهم الاعتراض على ذلك خلال فترة زمنية محددة، وعند ذهاب الأهالي للمحكمة للاعتراض يفاجؤوا بانتهاء موعد الاعتراض. ويشير إلى أن ما يسمى بـ"دائرة أراضي إسرائيل" تشترط على المستوطنين الذين ستنقل الأملاك إليهم بإعلان ذلك في الصحف لتقديم اعتراضات، إلا أنهم يقومون بعمل تمويه حتى في نشر الإعلان في الصحف المحلية الفلسطينية، كالنشر أيام العطل وبحجم صغير لا يلفت الانتباه ويكون في أسفل الصفحات الداخلية". [title]أساليب ونماذج[/title] استغل المستوطنون الأراضي الشاسعة في الضفة الغربية والتي لم تشملها عمليات التسوية (وهي الأراضي المسجلة في الطابو وتم مسحها لقطع وأحواض وتكون محددة المسافة، وكانت قد سجلت فترة الارتباط مع الأردن". ويقول مسؤول ملف الاستيطان والجدار في السلطة الفلسطينية محمد نزال لوكالة "صفا": "يعمل في مجال تزوير الأراضي وسرقتها قرابة 170 شركة إسرائيلية، بعضها تحمل أسماء عربية محضة وقسم منها مسجل في دول أوروبية". ويضيف "تجري عمليات التزوير بالتعاون مع جهات في مستوطنة "بيت ايل"، ويتم تزوير اسم البائع في السجلات العقارية بأسماء سماسرة أو هاربين، وتسجل لصالح الشركات الإسرائيلية على أن السمسار هو من اشترى الأملاك وباعها لهذه الشركات حيث تتنصل الشركات من عمليات التزوير". [img=032014/re_1394955824.jpg]أعمال بناء في احدى المستوطنات الإسرائيلية[/img] ويلفت إلى أن هذه العملية تتم في الغالب في الأراضي "المسواة" والبالغ نسبتها 30% من مجمل أراضي الضفة الغربية. ويؤكد نزال أن المستوطنين اتبعوا أسلوب "الوصاية" على الأملاك، وجرى الكشف عن مداهمة منزل مواطن في قرية سنيريا بقلقيلية من قبل الجيش، ومصادرة بطاقته الشخصية، وقام مستوطن يدعى "داني كريمر" ويعمل محاميا بتزوير الوصاية على جميع أملاكه والتحفظ عليها". ويكشف أن الجيش اختطف مسنا ليلا يبلغ من العمر (93 عاما) من منزله في قرية بيت أمين قرب قلقيلية واقتاده دون حذائه إلى أحد المواقع، وأجبروه على التوقيع على أوراق تتضمن التنازل عن أراضيه. ويتابع "خلال التوقيع قاموا بتصويره في لحظة إعطائه أموال، إلا أنه رفض، وتساءل "لماذا هذه الأموال؟"، وفي اللاحق تبين أن إحدى شركات التزوير هي من تقف وراء هذه العملية وتم كشفها". وبخصوص الأراضي التي لم تجر تسويتها يتحدث نزال: "في هذا الصنف يقوم أحد السماسرة بتزوير أملاك الأراضي على أنها ملكا خاصا بهم ويبيعونها للشركات، وعلى إثر ذلك يُطلب في المحاكم من أصحابها الأصليين أوراق إثبات ملكية مثل الطابو وإخراج القيد، وفي هذه الحالة يكون أصلا نقصا في الأوراق الثبوتيه لعدم تسوية هذه الأراضي". ويستشهد على ذلك بسيطرة المستوطن المدعو "موشي زار" على أراضي بقرية جينصافوط بقلقيلية وإقامة مبان عليها، ضمن التلة المقامة عليها البؤرة الاستيطانية "حفات جلعاد". ويفيد أن الأراضي في هذه الحالة تكون مسجلة بأسماء الأجداد، ويكون صاحب الأرض في السابق قد باع دونمات لمواطنين آخرين دون توقيع أوراق ثبوتيه بينهم (طريقة بيع قديمة وتقليدية)، ويتبع ذلك بعدم حصول المشترين على أوراق تؤكد ملكيتهم للأراضي التي اشتروها، ما يسهل على السماسرة تزوير الأملاك. إجراءات قانونية معقدة وبخصوص محاولات استرجاع الأراضي في المحاكم الإسرائيلية يقول نزال: "اكتشفنا كثيرا من الأراضي التي زورت أملاكها وسربت للاحتلال، ولكن عند فتح ملف قضية أرض ما في المحكمة الإسرائيلية، فإن الإجراءات تتطلب مبالغ مالية طائلة، تصل إلى 50 ألف شيقل للملف الواحد، وهذا ما يرهق المزارعين، مع أن قضايا الدفاع تتولاها جهات حقوقية ومحامون من قبل السلطة الفلسطينية". ومن الأمثلة على ذلك يقول نزال: "صدر قرار من إحدى المحاكم الإسرائيلية يقضي بإرجاع الأراضي المقامة عليها البؤرة الاستيطانية "جفعات آساف" لأصحابها الأصليين، بعدما تبين أنها أراض خاصة مسجلة بالطابو بأسمائهم، إلا أن المستوطنين ادعوا أمام القضاء بشرائها، رغم دفع مبالغ مالية هائلة في هذه القضية". [title]الوعي سلاح[/title] ويشدد معالي على ضرورة متابعة المزارعين وأصحاب الأملاك مع الجهات الحقوقية والمحامين ولجان الدفاع عن الأراضي ونشطاء مقاومة الاستيطان لأي إجراء مشبوه يقوم به المستوطنون. ويشكك الباحث في قدرة المستوطنين الاستيلاء على الأراضي في حال متابعة مخططات الاحتلال والشركات الاستيطانية ومن خلال نشر الوعي بين صفوف الجيل الناشئ، والتعريف بالطرق والحيل التي ينتهجها الاحتلال في عمليات التزوير والتعرض لوسائل الإعلام التي تفضح على الدوام هذه السلوكيات. ويستعرض الباحث المتابعات التي قام بها المواطن إبراهيم براغيث من الخليل على مدى 11 عاما في المحاكم الإسرائيلية، حتى تمكن من استعادة 100دونم من أرضه في المجمع الاستيطاني "عتصيون" بالخليل. ويؤكد أن براغيث اكتشف قيام المستوطنين بتزوير بصمة والده المتوفى، رغم التعقيدات التي تفرضها المحاكم لإثبات مصداقية البصمة بواسطة خبراء بصمات، عدا عن الكلفة العالية واستنزاف الجهد والوقت.
