لم يستطع عامٌ مضى على الحرب الإسرائيليّة على قطاع غزة أن يُنسِى والدَ الطفلة "سمر عبد ربه" فصول المأساة الوحشية التي سبَّبها الاحتلال لعائلته، ولم يشفع له بمزيد من الأحلام، إذ بات أمله الأوحد في الحياة أن يلتقي طفلته المشلولة بالكامل، والتي تخضع لعلاج صعب في إحدى مشافي "بلجيكا".
وما زال المواطن خالد عبد ربه "31عاماً" من شمال قطاع غزة يكتوي بنيران الحرب التي ارتكب فيها الاحتلال قبل عام مجزرة بحق أسرته، حتى أصبح وحيداً، بعد أن استشهدت طفلتيه سعاد وأمل، وشلت سمر "4سنوات"، التي لا تستطيع الخروج من المشفى الذي ترقد فيه بصحبة والدتها في بلاد الغرب.
"طوال هذه السنة وأنا أحسب اليوم بسنة، وحرقة قلبي وما رأيته يشعرني بأن عمري مئة سنة.." بهذه العبارة عبَّر المواطن عبد ربه عن شعوره وهو يعايش الذكرى الأولى للحرب على غزة، والتي تحل عليه هذه الأيام حاملة ذكريات أليمة صنع المحتل منها كابوسا يؤرقه ليل نهار.
وكان الاحتلال الإسرائيلي شن حربا ضروسا على قطاع غزة أواخر العام الماضي 2008، امتدت لـ 22 يوما، استشهد خلالها أكثر من 1400 مواطنا، وأصيب أزيد من 5000، فيما لا تزال آثارها شاخصة أمام مرأى ومسمع المواطنين الذين لازال يفرض عليهم الحصار الظالم.
عمر بأكمله
وينقل المواطن الذي يقطن عزبة عبد ربه شمال قطاع غزة لوكالة "صفا" مأساته طوال العام، ويقول "أشعر بأن هذه السنة عمر كامل، واليوم مر عندي كالسنة، وما يحرق قلبي أني محروم من رؤية ابنتي سمر، من يوم أن أصيبت في المجزرة".
ويتابع بصوت تخنقه العبرات "سمر هي الأمل الوحيد، ومن تبقى لي من أجمل ثلاث وردات، بقيت لي مشلولة بالكامل، لكنها لا تستطيع أن تغادر المستشفى لأنها تعيش على أجهزة طبية، ومرَّت سنة وأنا ممنوع أن أسافر لرؤيتها".
وارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة بحق أسرة المواطن عبد ربه خلال حربه على غزة، حيث قام جنود الاحتلال بمحاصرة المنزل وإخراج أفراد الأسرة رافعين أيديهم، وقام عدد من الجنود بإطلاق النار عن قرب على المواطن وأطفاله الثلاثة ووالدته المسنة وزوجته.
واستشهدت الطفلتان سعاد وأمل خالد عبد ربه، اللتين لم تبلغ أكبرهما السابعة من عمرها بعد أن قطعت نيران الجيش أحشائهما، وأصيبت والدته وزوجته وطفلته سمر إصابات بالغة.
ويستحضرُ الوالدُ المكلومُ أبشعَ وأشدّ مشاهد المجزرة ألماً، قائلاً: "صوت سمر وهي تناديني وتطلب مني أن أشربها ماء، وهي مصابة وظهرها وبطنها مفتوحين من الرصاص، وأنا عاجز أن ألبي لها طلبها أو أنجدها أمام جشع الجنود".
وتعتبر مجزرة "عبد ربه" واحدة من عشرات المجازر التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق عائلات كاملة في قطاع غزة خلال حربه الأخيرة.
البحث عن العدالة
وخاض المواطن عبد ربه طوال العام، كما يروي، مسيرة طويلة لفضح جرائم الاحتلال التي ارتكبت بحق أسرته، حيث صدرت أكثر من عشرة تقارير من منظمات حقوقية دولية تصف المجزرة بجريمة حرب، وتطالب بمحاكمة قادة الاحتلال عليها، من أبرزها تقرير القاضي "غولدستون"، الذي أحدث ضجة في العالم بعد التصويت له بالأغلبية في مجلس حقوق الإنسان.
ويتعرض تقرير "غولدستون" للمجزرة بشكل تفصيلي في الصفحة 219 منه، والتي تتضمن شهادة الطفلة سمر على المجزرة وروايتها لتفاصيلها، بالإضافة إلى فيديو مصور على موقع "غولدستون" للطفلة وهي تروي المجزرة في المستشفى.
وعن المزيد من مسيرة "البحث عن العدالة" التي خاضها المواطن خالد، يقول: "رفعت قضايا في أكثر من منظمة، وأخرجت المنظمة الدولية الأمريكية تقريرا خاصا حول المجزرة بعنوان "قتل الرايات البيضاء"، ورفعت قضايا في مركز "عدالة" بإسرائيل، ومركز الميزان بغزة".
وحول تجربته مع القضاء الإسرائيلي الذي استدعاه عدة مرات، يقول "عبد ربه" "استدعاني القضاء العسكري الإسرائيلي أكثر من خمس مرات، ورويت المجزرة بالتفصيل، لكن كل شهادتي حبر على ورق، وفقط للاستهلاك الإعلامي، أما العدالة فلم أكن ولن أنتظرها منهم".
ويضيف المواطن بقوة "ما كنت أسعى إليه أن أفضح الاحتلال، وأنقل صورته البشعة للعالم، وهذا ما أشعر أني أنجزته، أما العدالة فلا أنتظرها من البشر، وحقي عند الله".
الرجاء الوحيد
ويُهَوِّن عن الوالد مصائبه طفله رأفت "7 سنوات"، الذي كان موجودا عند جده في جباليا البلد يوم وقوع المجزرة، وفي نفس الوقت تزداد حرقة الوالد مع تكرار حديث الطفل بأن أمه ماتت، رغم أنه يتحدث معها عبر الهاتف.
ويصف الوالد شعوره، قائلاً: "ظننت أن رأفت سيهون علي ما أنا به، لكنه يزيد وجعي، لأنه يظن أن أمه ماتت، حتى أنه حينما يستمع لصوتها ويحدثها على التلفون لا يصدق، ويقول لي بأنها امرأة أخرى".
أما سمر التي حدثت والدها مرَّة عبر الهاتف، فلا تريد العودة إلى غزة، ولم يبقى في جسدها شيء سليم سوى ذاكرتها التي تعج بمشهد المجزرة وغبار الدبابات والألعاب الغارقة بالدماء".
ويقول والدها: "حدثتها عبر الهاتف، وفوق أنه ممنوع إخراجها من المستشفى، هي أيضاً لا تريد أن تأتي إلى غزة، لأنها خائفة من العودة إليها، أما أمها فتعاني من انهيار عصبي من حالتها".
وبعد العام الذي لاقى فيه المواطن "عبد ربه" ألواناً من التشرد والضياع والآلام، لم يبقَ لديه إلا أملاً واحداً، "أن يخرج ليلتقي بابنته سمر ووالدتها".
ويفيد أنه حصل مؤخراً على موافقة من "بلجيكيا"، لزيارة ابنته التي ترقد بمستشفى "بروكمان" في "بروكسيل"، وينتظر الموافقة من الجانب الفلسطيني وفتح المعبر.
ويختتم مأساته بالقول: "البيت دُمر، وبناتي قتلن، وأصبحت وحيداً مشردا في هذا الشارع، والآن لا أريد من هذا العالم إلا أن أرى ابنتي، هذا هو رجائي الوحيد".
